التوتر الأمريكي–الفنزويلي: صراع نفطي يكشف حدود القوة الأمريكية في زمن صعود القوى الصاعدة


صدامٌ نفطيّ أم علامة على إعادة تشكّل النظام العالمي؟

لم يعد التوتر بين الولايات المتحدة وفنزويلا مجرّد نزاع على ناقلة نفط أو خلاف دبلوماسي محدود. ما يجري اليوم هو انعكاس مباشر لهزّات عالمية تتسارع تحت السطح، تُعيد توزيع القوة والثروة، وتختبر قدرة واشنطن على الحفاظ على إرث الهيمنة الذي حكم النظام الدولي لعقود. وفي هذا الصراع المتجدد، تتحوّل فنزويلا الصغيرة جغرافيًا إلى مرآة كبيرة تكشف الوجه الحقيقي لصراع أعمق: صراع على مصادر الطاقة، والتحالفات، وأدوات السيطرة في زمن تتراجع فيه القطبية الأحادية.

أولًا: النفط ليس مجرد سلعة… بل أداة صراع على السلطة العالمية

لا يمكن فهم أي خطوة أمريكية في محيط فنزويلا خارج الإطار الطاقوي. واشنطن ترى في نفط كاراكاس ـ كما في الخليج وروسيا ـ عنصرًا استراتيجيًا ينتقل مباشرة إلى صلب قوتها الجيوسياسية.

1. عقيدة السيطرة على موارد “الحديقة الخلفية”

منذ عقيدة مونرو، تعاملت الولايات المتحدة مع أمريكا اللاتينية بوصفها “عمقًا استراتيجيًا” يمنع أي قوة خارجية من التمدد فيه. اليوم، ومع دخول الصين وروسيا بقوة، يتعامل صانع القرار الأمريكي مع كل برميل نفط فنزويلي وكأنه جزء من معركة أوسع للحفاظ على النفوذ.

2. النفط مقابل النفوذ

التحركات الأخيرة – من احتجاز ناقلة إلى تشديد العقوبات ثم تخفيفها بشكل انتقائي – ليست إجراءات قانونية بل رسائل.
تقول واشنطن لكاراكاس:
من يملك الطاقة يملك القرار… ومن يعاند يُخضع.

لكن سياسة الضغط لم تعد تعمل كما كانت قبل عشرين عامًا، لأن العالم تغيّر والتحالفات تبدّلت.

ثانيًا: صعود القوى العالمية: لحظة الانكشاف الأمريكي

ما يكشفه التوتر الأمريكي الفنزويلي ليس قوّة واشنطن، بل تراجع قدرتها على فرض إرادتها دون تكلفة في عالم تتعاظم فيه القوى المنافسة.

1. الصين: العملاق الذي يدخل “الملعب الخلفي”

فنزويلا مدينة للصين بمليارات الدولارات، ومشاريع البنية التحتية هناك تعتمد بشكل شبه كامل على التمويل الصيني.
بمعنى آخر:
أي هزة للعلاقة الأمريكية–الفنزويلية هي أيضًا هزة في العلاقة الأمريكية–الصينية، حتى لو جرى ذلك بطريقة غير مباشرة.

2. روسيا: النفوذ عبر الحلفاء المنهكين

موسكو، العالقة في حرب أوكرانيا، تحتاج لصداع سياسي قرب حدود واشنطن.
وفنزويلا بقيادة مادورو تقدّم هذا الصداع مجانًا.
ولذلك، يصبح الضغط الأمريكي على فنزويلا عنصرًا إضافيًا في مشهد عالمي يتّسع فيه نفوذ روسيا خارج ملفاتها التقليدية.

3. عالم ما بعد الهيمنة

الخطاب الأمريكي الذي يسوّق التدخل كأنه “إجراء قانوني أو دفاع عن حرية الملاحة” يبدو اليوم أقل إقناعًا.
العالم يتغير:

  • الصين تصعد بصمت.
  • روسيا تناور بذكاء تكتيكي رغم ضعف اقتصادها.
  • والهند وتركيا والبرازيل تتجه نحو استقلالية أكبر.

في هذا السياق، تظهر فنزويلا كعينة صغيرة من صورة أكبر: عالم متعدد القوى، يتحدى ردع واشنطن دون خوف.

ثالثًا: الطاقة كسلاح سياسي… وواشنطن تخشى فقدان السيطرة

الولايات المتحدة اعتمدت لعقود على معادلة:
العقوبات = الانصياع.
لكن هذه المعادلة تفقد فعاليتها اليوم بسبب:

1. تفكّك احتكار الدولار

مع تزايد المبادلات النفطية باليوان والروبل وعملات محلية في كتلة البريكس، تفقد العقوبات الأمريكية جزءًا كبيرًا من مخالبها. فنزويلا واحدة من الدول التي تستخدم البدائل المالية لتجاوز النظام البنكي الأمريكي.

2. الطاقة كأداة ابتزاز متبادل

لم تعد واشنطن وحدها قادرة على التجويع الاقتصادي.
اليوم يمكن لفنزويلا – بدعم روسي وصيني – أن تحرّك أسعار النفط في السوق العالمية، وهو ما يشكل ضغطًا مضادًا على الإدارة الأمريكية، خصوصًا في مواسم الانتخابات.

3. التحالفات اللاتينية الجديدة

هناك موجة سياسية يسارية عائدة إلى الحكم في دول أمريكا اللاتينية، من البرازيل إلى كولومبيا وتشيلي.
هذا يشكل شبكة حماية سياسية تجعل عزل فنزويلا أصعب مما كان عام 2015 مثلًا.

رابعًا: التوتر العسكري الأخير… قراءة في الدلالات الخفية

احتجاز واشنطن لناقلة فنزويلية ليس إجراءً بحريًا روتينيًا.
هو اختبار لثلاثة مستويات:

1. اختبار لردّ الصين

هل ستعتبر بكين المساس بحليفها اللاتيني تهديدًا لمصالحها الطاقوية؟
لا أحد يتوقع ردًا عسكريًا، لكن الرد الاقتصادي أو الدبلوماسي قد يكون كافيًا لرفع تكلفة التصعيد.

2. اختبار لمدى تماسك منظومة “البريكس+”

فنزويلا مرشحة للانضمام الكامل للبريكس.
أي صدام بينها وبين واشنطن سيكون اختبارًا لمدى استعداد البريكس لإظهار أسنانه في القضايا الدولية.

3. اختبار لمدى قدرة واشنطن على إدارة عدة أزمات في وقت واحد

واشنطن اليوم أمام ثلاثة ملفات ضخمة:

  • حرب أوكرانيا
  • التوتر مع الصين
  • الملف الإيراني – الشرق الأوسط

وملف فنزويلا قد يكون محاولة لقياس ضغط واشنطن قبل التورط في ملفات أكبر.

خامسًا: الإعلام.. السرديات الجاهزة وتغييب الصورة الحقيقية

وسائل الإعلام الغربية تقدم الأزمة كأنها “نزاع على سفينة” أو “ضرورة لمنع التهريب”، بينما يتم تغييب:

  • عنصر السيطرة البحرية
  • المعركة على خطوط الطاقة
  • تحولات الأسواق العالمية
  • توسّع النفوذ الصيني–الروسي في أمريكا اللاتينية

هذا التبسيط يخدم سردية واحدة: إظهار واشنطن كقوة “شرطية عالمية” تعمل لصالح القانون الدولي، بينما يُحجب البعد الحقيقي للصراع:
صراع على من يملك الزمن المقبل… واشنطن أم القوى الصاعدة؟

خاتمة: فنزويلا ليست طرف النزاع بل بوابة المشهد القادم

التوتر الأمريكي–الفنزويلي ليس قصة محلية ولا خلافًا اقتصاديًا.
إنه نقطة اشتباك في معركة أكبر لإعادة توزيع القوة في العالم.
ومع صعود الصين والبريكس وتآكل فاعلية العقوبات، يبدو أن واشنطن تتصرف اليوم بعقلية “الحفاظ على ما تبقى” أكثر من عقلية “فرض الهيمنة”.

فنزويلا، بقدر ما تبدو دولة صغيرة وضعيفة، إلا أنها أصبحت اليوم ساحة اختبار لحقيقة جوهرية:
هل ما زال بإمكان الولايات المتحدة أن تدير العالم وفق قواعدها القديمة؟
أم أننا أمام عالم جديد، يتقدم فيه الشرق، وتتراجع فيه اليد الأمريكية مهما بدت قوية إعلاميًا؟

+
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.