
أولًا: أزمة ثقة تقترب من نقطة الانهيار
لم يسبق أن شهدت الولايات المتحدة فجوة بهذا الحجم بين الدولة والمجتمع منذ الحرب الأهلية.
السبب الأساسي: انهيار الثقة.
- ثقة منخفضة في المؤسسات الحكومية
- ثقة ضعيفة في الإعلام
- ثقة معدومة تقريبًا في الكونغرس
- انقسام حاد حول الانتخابات وشرعيتها
- قناعة متزايدة بأن الدولة لا تمثل الشعب بل تمثل الشركات والنخب الاقتصادية
الأمريكي يشعر اليوم أن حكومته تعمل ضده وليس من أجله؛ وهذه هي وصفة الانفجار في أي نظام سياسي.
ثانيًا: اتساع اللامساواة… وظهور طبقتين لا تلتقيان
القضية ليست فقرًا فقط، بل تحوّل الاقتصاد الأمريكي إلى اقتصاد فئتين:
- فئة عليا تملك الأصول، الأسهم، التكنولوجيا، النفوذ
- وفئة وسطى تنهار، وفئة شعبية مسحوقة لا تستطيع تحمل تكاليف السكن والرعاية الصحية والتعليم
منذ 1970، تضاعفت ثروات الأغنياء بوتيرة هائلة، بينما لم ترتفع رواتب الطبقة العاملة إلا بنسب شبه صفرية.
وهذا خلق عداء طبقي غير معلن، لكنه مرئي:
- احتجاجات
- إضرابات
- اضطرابات في الجامعات
- صعود الحركات اليمينية المتطرفة
- صعود اليسار الراديكالي
أمريكا اليوم ليست مجتمعًا واحدًا، بل مجموعة مجتمعات متصارعة.
ثالثًا: الدولة العميقة في مواجهة الشعب… أو هكذا يشعر الناس
جزء كبير من الأمريكيين يعتقد أن:
- الأجهزة الأمنية
- الاستخبارات
- البيروقراطية
- الإعلام المنسق
- مراكز التكنولوجيا الكبرى
تعمل كـ نظام حكم غير منتخب يُملي السياسات ويحدد اتجاه البلاد.
وهذا الشعور كان سابقًا هامشيًا، لكنه اليوم ينتشر في الوسط واليمين واليسار.
النتيجة؟
تصوّر واسع أن الحكومة فقدت شرعيتها الأخلاقية، وأن "الديمقراطية الأمريكية" أصبحت مجرد واجهة لسلطة الشركات واللوبيات.
رابعًا: الاستقطاب الثقافي… أكبر من أن يُعالَج
القضايا الثقافية التي تبدو سطحية — مثل الهوية، المثلية، الدين، الهجرة، السلاح، الجندر — أصبحت معارك وجودية:
- المحافظون يرون أنهم يفقدون بلدهم وتقافتهم
- الليبراليون يرون المحافظين تهديدًا للحريات
- الأقليات ترى الدولة منحازة ضدها
- البيض الفقراء يرون الدولة تفضّل المهاجرين عليهم
- المهاجرون يرون المجتمع الأبيض لا يقبلهم
هذا الاستقطاب تجاوز السياسة وأصبح صراعًا على من يمتلك تعريف "أمريكا" نفسها.
خامسًا: النظام السياسي مشلول… الديمقراطية لا تعمل
هناك أزمة بنيوية:
- الكونغرس عاجز عن تمرير القوانين
- الانتخابات أصبحت مطعونًا في نزاهتها
- كل رئيس يأتي يهدم ما فعله الآخر
- المحكمة العليا تُتهم بالتحيز السياسي
- الحزب الجمهوري منقسم
- الحزب الديمقراطي متصدع
النظام السياسي الأمريكي اليوم غير قادر على إنتاج حلول، وهذا يجعل كل مشكلة داخلية تتحول إلى أزمة.
سادسًا: التراجع الإمبراطوري… وتأثيره النفسي على الأمريكي
التاريخ يقول إن أي قوة عظمى عندما تبدأ بالانحدار، تتفجر داخلها التناقضات.
اليوم يرى الأمريكي:
- صعود الصين
- تراجع نفوذ بلاده في الشرق الأوسط
- فشل حروب طويلة
- أزمة اقتصادية متكررة
- فقدان القدرة على فرض أجندته عالميًا
هذا الانحدار يغذي شعورًا بالضياع:
"من نحن الآن؟ هل ما زلنا القوة الأولى؟"
وهذا الشعور ينعكس على الداخل بشكل غضب، إحباط، وتمرد على الدولة.
سابعًا: التكنولوجيا… سلاح التفتيت الاجتماعي
بدل أن توحّد أمريكا، قامت التكنولوجيا بـ تفكيك المجتمع:
- المحتوى الموجّه خلق قبائل فكرية
- كل مجموعة تعيش في عالم معلوماتي مختلف
- غرف الصدى جعلت الخلافات حتمية
- الشركات التقنية أصبحت تتحكم في الرأي العام أكثر من الحكومات
والنتيجة:
مجتمع يرى نفس الحدث بقراءتين متناقضتين تمامًا، كأنهم في دولتين منفصلتين.
خلاصة التحليل: لماذا يحدث هذا الآن بالذات؟
لأن أمريكا وصلت إلى لحظة تاريخية تتقاطع فيها أربعة مسارات خطيرة:
-
انحدار الإمبراطورية خارجيًا
-
أزمة اقتصادية عميقة تغنّي طبقة وتفقر أخرى
-
استقطاب اجتماعي وثقافي غير قابل للترميم
-
انهيار الثقة في الدولة والإعلام والنظام السياسي
وعندما تجتمع هذه العناصر، تبدأ الدولة العظمى في التصدع من الداخل.
أمريكا لا تنهار الآن، لكنها دخلت مرحلة "النزيف البطيء" الذي سيغيّر شكلها خلال العقدين القادمين.