
أولًا: شركة الهند الشرقية الهولندية… حين تصبح التجارة سلطة
دخل الهولنديون أرخبيل إندونيسيا باسم شركة الهند الشرقية الهولندية (VOC)، وليس باسم الدولة. هذه الشركة لم تكن مجرد فاعل اقتصادي، بل امتلكت:
- جيشًا
- القدرة على عقد المعاهدات
- فرض الضرائب
- خوض الحروب
بعبارة أدق، كانت دولة بلا مجتمع، همّها الوحيد ضمان تدفق التوابل والموارد بأقل تكلفة سياسية ممكنة.
أ. الهيكل الإداري للشركة
- إنشاء مراكز إدارية مركزية مثل باتافيا (جاكرتا لاحقًا) لإدارة التجارة والسيطرة على السكان.
- توظيف النخب المحلية كأدوات لإدارة المناطق المختلفة.
- التركيز على استخراج الموارد بدل بناء شبكة مواطنة أو مؤسسات مجتمع مدني.
ب. تأثيره على المجتمع
- المجتمع لم يُنظر إليه كمواطنين، بل كقوى عمل أو وسطاء أو تهديدات يجب احتواؤها.
- التصنيف العرقي والجغرافي كان أداة لضبط السكان، وترك فجوة عميقة بين الدولة والمجتمع، ما زالت آثارها قائمة بعد الاستقلال.
ثانيًا: تفكيك السلطانات وبناء المركزية
قبل الهولنديين، كان الأرخبيل الإندونيسي شبكة من سلطانات محلية ومراكز تجارية متباينة الولاءات.
- الهولنديون لم يلغوا هذه الكيانات فورًا، بل أضعفوها تدريجيًا.
- أعادوا توظيف نخبها لخدمة الإدارة المركزية.
- حوّلوا باتافيا إلى مركز الدولة، بينما أصبحت الجزر والمناطق الأخرى مجرد مصادر ثروة.
هذا النموذج زرع بذور المركزية المفرطة التي سترافق إندونيسيا حتى اليوم، مع تهميش المجتمعات المحلية من صُنع القرار.
ثالثًا: المجتمع كموضوع للإدارة لا كشريك
الهولنديون لم يسعوا لدمج المجتمع في مشروع سياسي، بل إلى تصنيفه وضبطه:
- عرقيًا: تقسيم السكان حسب الأعراق والوظائف الاقتصادية.
- دينيًا: فصل بين المجتمعات المسيحية، المسلمة، والهندوسية المحلية.
- جغرافيًا: ربط السكان بالمناطق الإنتاجية وليس بمراكز القرار.
هذا أدى إلى فجوة كبيرة بين الدولة والمجتمع، بحيث استمر الشعور بالاغتراب السياسي حتى بعد الاستقلال.
رابعًا: الاقتصاد… دولة من أجل التصدير
منذ البداية، صُممت إندونيسيا لتكون:
- منتجة لا مصنّعة
- مصدّرة لا مقرّرة
اعتمد الاقتصاد على:
- الزراعة القسرية
- استخراج الموارد
- ربط الأقاليم بالسوق العالمية وليس ببعضها
هذا الإرث جعل الدولة قوية في الجباية وضعيفة في التنمية المتوازنة، وهو ما يفسر التفاوت الهائل بين جاوة وبقية الجزر.
خامسًا: الاستقلال… من الشركة إلى الدولة

عندما جاء الاستقلال، لم تُهدم البنية الهولندية، بل:
- أُعيدت تسميتها
- استُبدلت النخب
- حُملت شعارات وطنية
الدولة الجديدة ورثت:
- جهازًا إداريًا مركزيًا
- منطق السيطرة
- خوفًا دائمًا من التفكك
وبذلك، لم يُنظر إلى التعدد كثراء، بل كتهديد وجودي يحتاج ضبطًا دائمًا.
سادسًا: الجيش كضامن للوحدة لا كأداة دفاع
في ظل هذا الإرث، أصبح الجيش:
- لاعبًا سياسيًا
- حارسًا للوحدة الوطنية
- شريكًا في الاقتصاد
الجيش لم يُبنَ فقط لمواجهة الخارج، بل لضبط الداخل، وهو دور استعماري جوهري لكنه أصبح وطني الشكل.
سابعًا: سوهارتو… الاستعمار بلا مستعمر
عهد سوهارتو أبرز استمرارية نموذج الدولة الاستعمارية:
- مركزية صارمة
- تنمية موجهة
- قمع سياسي مقابل استقرار
الاقتصاد ظل تصديريًا، التحالف مع الخارج قائمًا، والمجتمع مستبعدًا عن القرار. الدولة استقلت شكليًا، لكن منطق الشركة بقي حيًا.
ثامنًا: ما بعد سوهارتو… التحولات دون تفكيك بنيوي
بعد سقوط النظام، حصلت تغييرات:
- انتخابات وتعددية سياسية
- تفويض جزئي للولايات
- تعديلات على المؤسسات المدنية
لكن:
- الدولة المركزية لم تمس جذريًا
- الاقتصاد بقي تابعًا للأسواق الخارجية
- الجيش احتفظ بدوره الرمزي والفعلي
التحول كان سياسيًا، لكنه لم يغير الأسس البنيوية للإرث الاستعماري.
تاسعًا: المجتمع الإندونيسي اليوم
- هش ومجزأ رغم الوحدة الرسمية.
- التفاوت الاقتصادي بين جاوة والجزر الأخرى مستمر.
- الهويات العرقية والدينية ما زالت تشكل محورًا للصراعات الداخلية.
خاتمة: لماذا ما زالت إندونيسيا دولة قوية ومجتمعًا هشًا؟
الدولة الإندونيسية لم تُبنَ أصلًا من أجل المجتمع، بل لضبطه وإدارته واستخراج موارده.
- وحدة مركزية قوية
- اقتصاد تصديري متصل بالعالم
- مجتمع هش متفرّق بين الجزر والعشائر
وهنا يكمن سر التناقض الإندونيسي: وحدة صلبة وسيادة محدودة وتنمية غير متوازنة، نتيجة مباشرة لإرث شركة استعمارية حولت التجارة إلى سلطة سياسية.