
لم يكن الاستعمار في الفلبين مجرد مرحلة تاريخية انتهت بالاستقلال، بل أصبح إطارًا ذهنيًا وتنظيميًا أعاد إنتاج نفسه داخل الدولة الحديثة. لذلك تبدو الفلبين اليوم دولة “ديمقراطية”، لكنها في الجوهر تعيش تناقضًا دائمًا بين الشكل السياسي والمضمون السيادي.
أولًا: الاستعمار الإسباني… حين تُبنى السياسة من فوق المنبر
دخل الإسبان الفلبين في القرن السادس عشر لا بصفتهم قوة إدارية حديثة، بل كسلطة دينية – إمبراطورية.
الكنيسة الكاثوليكية لم تكن شريكًا في الحكم، بل كانت الحكم ذاته.
- التبشير سبق الإدارة
- الدين سبق الدولة
- الطاعة سبقت المواطنة
المجتمع لم يُنظم سياسيًا، بل أُعيد تشكيله أخلاقيًا ودينيًا.
النتيجة: مجتمع واسع، متدين، لكن بلا بنية سياسية محلية مستقلة.
ثانيًا: غياب الدولة وبقاء النخب
الإسبان لم يبنوا دولة مركزية فعالة، بل:
- تركوا الإدارة اليومية للنخب المحلية
- اعتمدوا على الإقطاعيين والزعامات التقليدية
- حافظوا على تفكك المجتمع أفقيًا
هذا خلق سمة ستلازم الفلبين حتى اليوم:
نخب قوية، دولة ضعيفة.
الدولة لم تكن إطارًا جامعًا، بل مظلة شكلية فوق شبكات نفوذ محلية.
ثالثًا: الانتقال الأميركي… ديمقراطية بلا سيادة
عندما انتقلت الفلبين من الاستعمار الإسباني إلى الأميركي، لم تنتقل من القمع إلى التحرر، بل:
- من الهيمنة الدينية
- إلى الهيمنة المؤسسية
الولايات المتحدة لم تُلغِ البنية القديمة، بل:
- أعادت تغليفها بالدستور
- أدخلت الانتخابات
- زرعت خطاب “الحرية”
لكن دون:
- تفكيك النخب
- بناء اقتصاد مستقل
- أو إعادة تعريف وظيفة الدولة
الديمقراطية هنا كانت أداة ضبط ناعم، لا مشروع سيادة.
رابعًا: الدولة الشكلية… حين تسبق السياسة المجتمع
الدولة الفلبينية الحديثة:
- تمتلك دستورًا
- وانتخابات
- وبرلمانًا
لكنها تفتقر إلى:
- جهاز إداري قوي
- سيطرة فعلية على الأطراف
- احتكار حقيقي للعنف المنظم
السياسة سبقت المجتمع، ولم تنبع منه.
وهذا هو العطب البنيوي الأساسي.
خامسًا: الاقتصاد… التبعية بوصفها خيارًا دائمًا
لم تُصمم الفلبين لتكون دولة منتجة، بل:
- سوقًا
- ومصدر عمالة
- ومنصة نفوذ أميركي في آسيا
الاقتصاد يعتمد على:
- التحويلات المالية من الخارج
- الخدمات
- المساعدات والاستثمارات المشروطة
النتيجة:
اقتصاد يتحرك، لكن لا يقرر.
ينمو، لكنه لا يتحرر.
سادسًا: الجيش… أداة داخلية بلا عقيدة سيادية
على عكس إندونيسيا أو تايلند، لم يتحول الجيش الفلبيني إلى مؤسسة سيادية قوية، بل بقي:
- ضعيف الاستقلال
- مرتبطًا بالتدريب والتمويل الخارجي
- موجّهًا لضبط الداخل لا حماية القرار الوطني
حتى الأمن، في الفلبين، مستعار جزئيًا.
سابعًا: المجتمع… كثيف دينيًا، ضعيف سياسيًا
المجتمع الفلبيني:
- نشط اجتماعيًا
- متدين بقوة
- واسع المشاركة المدنية الشكلية
لكنه:
- محدود التنظيم السياسي المستقل
- واقع تحت نفوذ الزعامات والعائلات
- هش أمام الاستقطاب الشعبوي
الدين حلّ محل السياسة،
والعائلة حلّت محل الدولة.
ثامنًا: الشعبوية… حين يعود الاستعمار بلا مستعمر
نماذج الحكم الشعبوي (مثل دوتيرتي) لا تمثل قطيعة مع الماضي، بل:
- إعادة إنتاج لمنطق السلطة القمعية
- في دولة ضعيفة البنية
- ومجتمع مأزوم سياديًا
الشعبوية هنا ليست انحرافًا، بل نتيجة طبيعية لدولة لم تُستكمل.
تاسعًا: السيادة… المفقودة منذ التأسيس
الفلبين دولة:
- مستقلة قانونيًا
- ديمقراطية شكليًا
- نشطة انتخابيًا
لكنها:
- محدودة القرار الاستراتيجي
- مرتبطة عسكريًا وسياسيًا بالخارج
- عاجزة عن فرض مشروع وطني جامع
السيادة لم تُنتزع يومًا، لذلك لم تُفقد لاحقًا.
خاتمة: لماذا تبدو الفلبين حرة لكنها غير مستقلة؟
لأن الاستعمار لم يكن مرحلة عابرة، بل:
- هوية سياسية
- ومنطق حكم
- ونموذج دولة
الفلبين لم تتحرر من الاستعمار،
بل حوّلته إلى دستور، وانتخابات، وخطاب حرية.
وهنا تكمن المفارقة القاسية:
الدولة التي تبدو الأكثر ديمقراطية،
هي من أقل دول جنوب شرق آسيا سيادة فعلية.