جنوب-شرق آسيا: بروناي: الدولة الريعية المحميّة

تبدو بروناي، للوهلة الأولى، دولة ناجحة: صغيرة، مستقرة، ثرية، بلا صراعات داخلية ولا اضطرابات سياسية. غير أن هذا الهدوء ليس نتاج عقد اجتماعي ناضج، ولا ثمرة تطور سياسي داخلي، بل نتيجة معادلة مختلفة تمامًا: الريع بدل الدولة، والحماية بدل السيادة.
بروناي ليست دولة فاشلة، لكنها أيضًا ليست دولة مكتملة؛ إنها كيان سياسي صُمّم ليعمل بلا سياسة، وبلا مجتمع سياسي فعلي.

أولًا: الاستعمار البريطاني… حكم غير مباشر بلا دولة

لم تعرف بروناي الاستعمار الكلاسيكي العنيف كما في إندونيسيا أو الفلبين.
دخل البريطانيون إليها في القرن التاسع عشر بصفتهم:

  • أوصياء
  • مستشارين
  • ضامنين للاستقرار

لا حكّامًا مباشرين.

ترك البريطانيون السلطان في موقعه، ولم يبنوا جهاز دولة حديث بالمعنى المؤسسي الكامل، بل اكتفوا بـ:

  • ضبط السياسة الخارجية
  • تأمين الملاحة
  • حماية المصالح التجارية

كانت بروناي محمية لا مستعمرة، وهذا الفارق سيحدد مصيرها لاحقًا.

الاستعمار هنا لم يحتج إلى إعادة هندسة المجتمع، لأن المجتمع لم يكن مصدر تهديد، والدولة لم تكن مطلوبة كأداة ضبط.

ثانيًا: النفط… حين يُلغى المجتمع من المعادلة

اكتشاف النفط في عشرينيات القرن العشرين غيّر كل شيء.
لم يعد على الدولة أن:

  • تفرض ضرائب
  • تفاوض المجتمع
  • تبني شرعية سياسية

فالنفط وفّر للدولة موردًا مستقلًا عن المجتمع.

هنا وُلدت الدولة الريعية الصافية:

  • الدولة لا تحتاج المواطنين
  • والمواطن لا يحتاج السياسة
  • والسلطة لا تحتاج المشاركة

العلاقة أصبحت عمودية:
الدولة تُوزّع، والمجتمع يستهلك.

ثالثًا: السلطنة كبديل عن الدولة الحديثة

في بروناي، لم تتطور الدولة الحديثة بوصفها كيانًا قانونيًا مستقلًا عن الحاكم، بل بقيت:

  • السلطنة هي الدولة
  • والسلطان هو المصدر الوحيد للشرعية
  • والمؤسسات امتداد إداري لا سياسي

  • لا برلمان منتخب فاعل
  • لا أحزاب حقيقية
  • لا تداول سلطة

لكن أيضًا:

  • لا احتجاج
  • لا معارضة
  • لا أزمة شرعية

الشرعية هنا ليست سياسية، بل ريعية-أبوية.

رابعًا: المجتمع بلا سياسة

المجتمع البروناوي ليس مقموعًا بمعناه العنيف، بل مُحيَّد سياسيًا.

  • التعليم مضمون
  • الصحة مجانية
  • الدخل مرتفع
  • البطالة محدودة

مقابل ذلك:

  • لا نقاش عام
  • لا فضاء سياسي
  • لا مطالبة بالتمثيل

السياسة في بروناي ليست محرّمة، بل غير ضرورية في وعي الناس.

وهذا أخطر من القمع؛ لأن السياسة لا تُمنع، بل تُفرَّغ من معناها.

خامسًا: الإسلام الرسمي كأداة استقرار لا تحرر

اعتمدت الدولة في العقود الأخيرة خطابًا دينيًا رسميًا، خاصة مع تطبيق الشريعة في بعض الجوانب.

لكن هذا الإسلام:

  • سلطاني
  • أخلاقي
  • انضباطي

لا تعبوي، ولا احتجاجي، ولا اجتماعي تغييري.

الدين هنا يُستخدم لـ:

  • تعزيز الطاعة
  • تكريس الانسجام
  • نزع التسييس عن المجتمع

إنه إسلام دولة ريعية، لا إسلام مجتمع سياسي.

سادسًا: الاستقلال… اكتمال الوصاية لا نهايتها

حصلت بروناي على استقلالها عام 1984، لكنها لم تنتقل من التبعية إلى السيادة الكاملة.

بل:

  • بقيت مظلة الحماية البريطانية
  • ثم انفتحت على شبكة أمنية غربية أوسع
  • دون الحاجة إلى بناء جيش عقائدي أو مشروع سيادي

السيادة هنا مضمونة خارجيًا، لا مصنوعة داخليًا.

وهذا هو جوهر الدولة المحمية:
دولة بلا أعداء، لأنها بلا مشروع.

سابعًا: الاقتصاد… رفاه بلا تنويع

رغم الثروة النفطية، لم تطوّر بروناي اقتصادًا متنوعًا.

  • لا صناعة استراتيجية
  • لا قطاع تكنولوجي
  • لا دور إقليمي اقتصادي فاعل

السبب بسيط:
الدولة لا تحتاج إلى النمو بقدر ما تحتاج إلى الاستقرار.

الاقتصاد ليس أداة سيادة، بل أداة تهدئة اجتماعية.

ثامنًا: لماذا لم تتحول بروناي؟

لأن:

  • لا ضغط اجتماعي
  • لا أزمة شرعية
  • لا فشل اقتصادي
  • لا تدخل خارجي قسري

الدولة تعمل كما صُمّمت:
كيان صغير، هادئ، غير مزعج للنظام الدولي، ومكفول الحماية.

التحول السياسي ليس مستحيلًا، لكنه غير مطلوب ضمن المعادلة الحالية.

خاتمة: بروناي… الدولة التي نجت من السياسة

بروناي ليست نموذجًا يُحتذى، ولا حالة تُدان.
إنها نتيجة منطقية لمسار استعماري خاص:

  • حماية بدل احتلال
  • ريع بدل جباية
  • سلطان بدل دولة
  • استقرار بدل سيادة

هي دولة لم تفشل لأنها لم تُجرّب السياسة أصلًا.

وهنا تكمن مفارقتها:
نجحت في إدارة الهدوء،
وفشلت – أو لم تحاول – بناء دولة سياسية بالمعنى الحديث.

+
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.