
عند النظر إلى جنوب شرق آسيا من الخارج، تبدو الصورة لامعة:
نمو اقتصادي، استقرار نسبي، دول فاعلة في التجارة العالمية، ومجتمعات أقل صخبًا سياسيًا من مناطق أخرى خرجت من الاستعمار.
لكن هذه الصورة، مثل كثير من الصور “الناجحة”، تخفي سؤالًا غير مطروح: نجحت في ماذا؟ وبأي ثمن؟
هذه الخاتمة لا تبحث في أسباب النمو، بل في حدوده، ولا في فشل السيادة، بل في لماذا لم تكن مطلوبة أصلًا في التصميم الأصلي لهذه الدول.
أولًا: الدولة بوصفها حلًّا استعماريًا لا مشروعًا وطنيًا
القاسم المشترك الأهم بين دول جنوب شرق آسيا ليس الثقافة ولا الجغرافيا، بل طريقة ولادة الدولة.
في كل الحالات تقريبًا:
- الدولة لم تُبنَ لحماية المجتمع
- بل لإدارته
- وضبطه
- وربطه بالسوق العالمية
سواء كانت:
- شركة استعمارية (إندونيسيا)
- إدارة تعددية مصطنعة (ماليزيا)
- ميناء وظيفي (سنغافورة)
- محمية ريعية (بروناي)
- أو استقلالًا شكليًا (تايلند)
فالنتيجة واحدة:
الدولة سبقت المجتمع، ولم تخرج منه.
ثانيًا: لماذا كان الاقتصاد أسهل من السيادة؟
النمو الاقتصادي لا يتطلب سيادة كاملة، بل يتطلب:
- استقرارًا
- انضباطًا
- وضوح وظيفة
وهذه الشروط كانت متوفرة لأن:
- الدولة مصمَّمة للإدارة لا للصراع
- والنخب متصالحة مع الخارج
- والمجتمع مُبعَد عن القرار الاستراتيجي
السيادة، في المقابل، تتطلب:
- صدام مصالح
- إعادة تعريف الدور
- استقلال القرار
وهذا بالضبط ما لم يكن ضمن التصميم.
ثالثًا: الدولة القوية… المجتمع الضعيف
في أغلب تجارب السلسلة:
- الدولة قوية إداريًا
- حاضرة أمنيًا
- فعالة اقتصاديًا
لكن المجتمع:
- غير منظم سياسيًا
- محدود التأثير
- محاصر بسقوف غير مكتوبة
ليست المشكلة في القمع المباشر دائمًا، بل في أن:
الدولة قامت مقام السياسة.
رابعًا: لماذا لم تنفجر هذه الدول؟
لأن الاستعمار هنا كان ذكيًا في مرحلته الأخيرة.
- ترك دولًا تعمل
- لا دولًا منهارة
- وأنظمة توزّع المكاسب بدل أن تحتكرها فقط
- ومجتمعات مستفيدة جزئيًا من الاستقرار
الشرعية لم تكن ثورية، بل أدائية:
طالما الدولة “تنجح”، لا يُسأل كثيرًا عن كيف ولماذا.
خامسًا: حدود النجاح الآسيوي
رغم كل ما سبق، لهذا النمو حدود واضحة:
- هشاشة أمام الأزمات العالمية
- تبعية تكنولوجية واستراتيجية
- غياب قرار مستقل في القضايا الكبرى
- ضعف القدرة على المناورة الجيوسياسية
الدول التي لا تملك سيادة، لا تختار موقعها… بل يُختار لها.
سادسًا: لماذا لا يُصدَّر هذا النموذج سياسيًا؟
لأن نجاحه مشروط بالصمت.
- صمت المجتمع
- صمت السياسة
- صمت الأسئلة الكبرى
وهذا ما يجعل النموذج غير قابل للتعميم دون تكلفة عالية، خاصة في مناطق:
- أكثر صخبًا اجتماعيًا
- أكثر تسييسًا للهويات
- وأقل اندماجًا في السوق العالمية
سابعًا: المقارنة الصامتة مع العالم العربي
وهنا تظهر المفارقة المؤلمة.
العالم العربي:
- ورث دولًا استعمارية أيضًا
- لكنه ورثها غالبًا بلا وظيفة واضحة
- وبلا اندماج اقتصادي حقيقي
- وبصراعات هوية مفتوحة
جنوب شرق آسيا:
- قبل بالوظيفة
- أجّل الصراع
- وراكم الاقتصاد
النتيجة:
- آسيا بلا سيادة
- العرب بلا سيادة ولا اقتصاد
الاختلاف ليس أخلاقيًا، بل بنيويًا في كيفية إدارة الإرث الاستعماري.
ثامنًا: هل هذا النموذج قابل للاستمرار؟
السؤال الحقيقي ليس: هل نجح؟
بل: إلى متى؟
مع:
- صعود الصين
- اهتزاز النظام الليبرالي
- تسييس سلاسل التوريد
- وعودة الجغرافيا السياسية
ستُضطر هذه الدول عاجلًا أم آجلًا إلى:
- إعادة تعريف موقعها
- أو دفع ثمن الوظيفية القديمة
السياسة التي تم تأجيلها… لا تُلغى، بل تعود بشروط أصعب.
خاتمة: ما الذي تعلّمناه من جنوب شرق آسيا؟
تعلّمنا أن:
- الاستعمار لا ينتهي بالجلاء
- والاستقلال لا يعني السيادة
- والنمو لا يعني التحرر
وتعلّمنا أيضًا أن:
الدولة التي تُبنى للإدارة فقط،
تنجح في الإدارة،
وتفشل في القيادة.
جنوب شرق آسيا ليست قصة نجاح مطلقة،
ولا فشلًا مقنّعًا،
بل درسًا مكتملًا في كيف يصنع النظام العالمي دولًا تعمل… دون أن تختار.
وهذا هو جوهر الدولة بعد الاستعمار.