
جنوب شرق آسيا: نمو اقتصادي نسبي، استقرار داخلي، دول قوية إداريًا رغم سيادة محدودة.
العالم العربي: دول ضعيفة مؤسساتيًا، هشاشة اقتصادية، صراعات متكررة على الشرعية.
السؤال الجوهري هنا ليس عن الاستعمار وحده، بل عن آليات انتقال السلطة وبناء الدولة، وكيف أفرزت سياقات مختلفة نتائج متباينة.
أولًا: كيفية التعامل مع الإرث الاستعماري
في جنوب شرق آسيا، اعتمد الاستعمار أسلوبًا وظيفيًا:
- الهولنديون في إندونيسيا، البريطانيون في ماليزيا، الفرنسيون/الإنجليز في تايلند وبروناي:صمّموا الدولة لخدمة الإدارة والاقتصاد، لا لإنتاج مجتمع سياسي نشط.
الدولة أُعيدت من قبل النخب المحلية بعد الاستقلال كأداة تنفيذية، لا شراكة سياسية.
في العالم العربي، غالبًا:
الاستعمار غادر تاركًا سلطة شكلية غير مكتملة.
الدولة لم تُبنى لتكون أداة اقتصادية أو إدارية متماسكة.
النخب المحلية لم تستلم أجهزة جاهزة، بل كان عليها خلق الدولة من الصفر تحت ضغوط اقتصادية واجتماعية وسياسية ضخمة.
ثانيًا: العلاقة بين الدولة والمجتمع
في جنوب شرق آسيا:
المجتمع حاضر، لكنه لا يُشارك فعليًا في القرار.
الدولة قوية، المركزية عالية، والجيش يقوم بدور الضبط لا الدفاع عن إرادة الشعب.
في العالم العربي:
الدولة موجودة، لكنها هشّة، متباينة القدرات بين المركز والهامش.
المجتمع يضغط، يتفاعل، ينتقد، أو يطالب بالحقوق، لكنه غالبًا يفتقد أدوات مؤسساتية للضغط الفعّال.
النتيجة: صراعات مستمرة، انقلابات، ثورات، وأزمات شرعية متكررة.
ثالثًا: الاقتصاد كأداة إدارة
جنوب شرق آسيا:
الاقتصاد يركّز على الإنتاج والتصدير.
النمو متوافق مع بقاء الدولة تحت السيطرة، بدون تهديد للوظيفة أو الشرعية.
العالم العربي:
الاقتصاد غالبًا هش، يعتمد على الريع أو الموارد الطبيعية دون بناء مؤسسات إنتاجية متكاملة.
الدولة لم تُصبغ بالقدرة على إدارة الاقتصاد بما يحمي الاستقرار، فتصير كل أزمة اقتصادية أزمة سياسية مباشرة.
رابعًا: النخب ومواءمة السلطة
في جنوب شرق آسيا:
النخب استعادت السلطة بعد الاستقلال ضمن بنية استعمارية جاهزة.
هذا أعطاها القدرة على فرض الاستقرار بسرعة.
في العالم العربي:
النخب كانت مجتزأة، متصارعة، وغالبًا غير قادرة على إعادة تنظيم الدولة بسرعة بعد الاستقلال.
هذا أنتج فراغًا مؤسسيًا أدى إلى تدخلات خارجية وولادات متكررة للدول على مقاس المصالح الأجنبية.
خامسًا: السيادة مقابل الاستقرار
جنوب شرق آسيا:
السيادة محدودة، لكنها ليست مطلبًا داخليًا حاسمًا.
الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي أولوية، والسيادة تُدار ضمن المنظومة الدولية.
العالم العربي:
السيادة كانت مطلبًا مركزياً، لكنها اصطدمت باستمرار بمحددات خارجية وداخلية، دون أن تكون هناك بنية إدارية قوية لمواجهة الضغوط.
النتيجة: تكرار أزمات شرعية ونزاعات مسلحة وسياسية مستمرة.
سادسًا: الدروس المقارنة
الدولة المصممة للإدارة تعمل، ولو على حساب السيادة.
الدولة غير المكتملة تصبح نقطة صراع مستمرة بين المجتمع والنخب والفاعلين الخارجيين.
النمو الاقتصادي ممكن في غياب سيادة كاملة إذا كانت الدولة متماسكة إداريًا ومحمية من الخارج.
الانقسام بين الدولة والمجتمع هو مفتاح الفشل أو النجاح البنيوي، لا مجرد الشعارات السياسية أو الدعاية الرسمية.
خاتمة
جنوب شرق آسيا والعالم العربي يقدمان صورتين متناقضتين لمرحلة ما بعد الاستعمار:
الأولى: نجاح وظيفي بدون سيادة كاملة، الدولة قوية والمجتمع محدود التأثير، النمو الاقتصادي حاضر، الاستقرار مضمون.
الثانية: هشاشة مزدوجة، الدولة ضعيفة والمجتمع محتقن، النمو الاقتصادي محدود، والاستقرار غير مستدام.
الدرس الكبير: لا يكفي الاستقلال السياسي أو التحرر العسكري لإنشاء دولة فاعلة، بل يجب تصميم الدولة بوظيفة محددة، وإعادة مواءمة النخب، وربط الاقتصاد والسياسة بطريقة استراتيجية مع المجتمع والنظام الدولي.
جنوب شرق آسيا تعلمنا أن الإدارة الجيدة أحيانًا أهم من السيادة المطلقة، بينما العالم العربي يظهر لنا ثمن غياب الإدارة الفاعلة بعد الاستعمار.