
الابتكار كتهديد لا كفرصة
في الخطاب السائد، يُقدَّم الابتكار بوصفه محرك الرأسمالية الحديثة، لكن هذا صحيح جزئيًا فقط. ما يُكافَأ ليس الابتكار في ذاته، بل الابتكار القابل للإدماج داخل دورة الربح. أي اختراع:
يقلل الاستهلاك،
يطيل عمر المنتج،
أو يمنح المستخدم استقلالًا حقيقيًا،
يتحوّل من فرصة إلى تهديد. فالنظام الاقتصادي لا يخشى الجديد، بل يخشى ما يُفقده السيطرة. ومن هنا يصبح التقدم “المفرِط” عبئًا، لا مكسبًا.
منع بلا ضجيج: كيف يعمل النظام؟
المنع الحديث لا يشبه المنع الكلاسيكي. لا مختبرات تُغلق علنًا، ولا علماء يُحاكَمون بتهمة التفكير. بدلًا من ذلك، تُستخدم أدوات أكثر فاعلية وهدوءًا:
الاحتواء: شراء براءة الاختراع ثم تجميدها.
التجفيف: قطع التمويل عن أبحاث لا تخدم السوق.
التشويه: التشكيك العلمي أو الإعلامي في جدوى الاكتشاف.
الإغراق: طرح بدائل ناقصة تفرغ الفكرة من مضمونها.
التقييد القانوني: تشريعات “سلامة” انتقائية.
الإرهاق القضائي: استنزاف المخترع حتى الانسحاب.
بهذه الآليات، يُدفن الابتكار دون حاجة إلى مؤامرة صاخبة. يكفي أن يُترك خارج الضوء.
الطاقة: استقلال مرفوض
في مجال الطاقة، تظهر المفارقة بوضوح. تقنيات:
ذات كفاءة أعلى،
تكلفة أقل،
واعتماد أقل على الشبكات المركزية،
تمثل خطرًا مباشرًا على بنية اقتصادية–جيوسياسية كاملة. فالمشكلة ليست في إنتاج الطاقة، بل في من يملكها. الطاقة اللامركزية تعني:
تراجع الاحتكار،
ضعف النفوذ السياسي،
انكسار التبعية.
لذلك، يُسمح بالتطوير ضمن حدود، ويُمنع ما يتجاوزها. ليس لأن البديل غير موجود، بل لأنه غير قابل للإخضاع.
الصناعة الطبية: من علاج المرض إلى إدارته
في الطب، يتجلى السلوك نفسه بصيغة أكثر حساسية. السوق المثالي ليس المريض الذي يُشفى، بل الذي:
يعيش أطول،
يستهلك أكثر،
ويظل مرتبطًا بالعلاج.
تُموَّل أبحاث إدارة الأعراض، لا استئصال الأسباب. يُحتفى بالعلاجات التي تُطيل العمر، لا التي تنهي المرض. ليس ذلك لأن الشفاء مستحيل، بل لأن النموذج الربحي لا يحتمله. هنا يتحول الجسد البشري إلى سوق، والمرض إلى مورد.
التقادم المخطط: تدمير المتانة عمدًا
واحدة من أوضح صور منع التقدم هي القضاء على المتانة. تاريخيًا، كان بالإمكان تصنيع:
أجهزة تعيش لعقود،
منتجات سهلة الصيانة،
أنظمة لا تحتاج استبدالًا متكررًا.
لكن المتانة تُفلس السوق. لذلك جرى:
تصميم الأعطال،
تعقيد الصيانة،
رفع كلفة الإصلاح،
وربط المنتج بتحديثات قاتلة.
النتيجة: مستهلك دائم، لا مستخدم واعٍ. هنا لا يُمنع الاختراع، بل تُشوَّه غايته.
العلم ليس حرًا… بل موجَّه
من الأخطاء الشائعة تصوير هذا السلوك كشرٍّ مطلق. الواقع أكثر تعقيدًا:
الشركات تتحرك بمنطق الربح،
الدول تحمي نفوذها،
والمؤسسات تموّل ما يخدم استقرارها.
لكن النتيجة واحدة: العلم لا يسير نحو أقصى ما يمكن، بل نحو ما يُسمح به. التقدم لا يُقاس بحدوده التقنية، بل بسقفه السياسي–الاقتصادي.
السؤال الذي لا يُطرح
المعضلة ليست في وجود اختراعات ممنوعة، بل في:
من يملك سلطة الاختيار بين ما يُنشر وما يُدفن؟
حين يُقنعك الخطاب السائد أن “هذا هو الحد الأقصى للتقدم”، بينما الواقع يشير إلى أنه الحد الأقصى المقبول، نكون أمام صناعة وعي زائف. وعي يُسوِّق القيود بوصفها قدرًا، والبطء بوصفه حكمة.
خاتمة: التقدم المؤجَّل
ليس كل ما يُمنع يُمنع إلى الأبد. كثير من الأفكار تعود لاحقًا، بعد أن تتغير موازين القوة أو تتبدل المصالح. لكن ما يُفقد في هذه الأثناء هو الزمن، والاستقلال، وإمكانية مسار مختلف. هكذا لا يُدفن التقدم مرة واحدة، بل يُؤجَّل مرارًا… حتى ينسى الناس أنه كان ممكنًا أصلًا.