
إبستين ليس استثناءً… بل وظيفة
القراءة السطحية تختزل إبستين في رجل منحرف استغل المال والنفوذ.
أما القراءة التحليلية، فترى فيه وظيفة داخل منظومة لا فردًا طارئًا عليها.
إبستين لم يصعد سياسيًا، لكنه صعد اجتماعيًا وماليًا بسرعة غير مفسّرة. لم يكن رجل أعمال تقليديًا، ولا صاحب شركة عملاقة، ومع ذلك تحرك في أعلى دوائر المال والسياسة والاستخبارات. هذه المفارقة وحدها كافية لطرح السؤال الجوهري:
ما الذي كان يقدّمه مقابل هذه الحماية؟
في تاريخ الأنظمة الغربية، هناك نمط متكرر:
شخصيات “رمادية” تُستخدم كوسطاء، لا لارتكاب الجريمة فقط، بل لتوثيقها، تحويلها إلى أداة ابتزاز، ثم إدارتها بهدوء.
من الجريمة إلى الأصل السياسي
الخطورة في ملف إبستين لا تكمن في الفعل الجنسي ذاته – على فداحته – بل في ما بعد الفعل.
حين تصبح الجريمة مادة موثقة، تتحول إلى أصل سياسي قابل للاستخدام:
- سياسيون يمكن إسكاتهم
- رجال مال يمكن توجيههم
- شخصيات عامة يمكن ضبط سلوكها
بهذا المعنى، لا يعود إبستين “منحرفًا”، بل حلقة في اقتصاد مظلم موازٍ، حيث تُدار السلطة عبر الفضائح لا القوانين.
لماذا مات إبستين؟ ولماذا هذا التوقيت؟
السؤال ليس هل انتحر أم قُتل، بل:
لماذا كانت وفاته هي الخيار الأسلم للنظام؟
موته أغلق مسارًا قضائيًا كان سيقود حتمًا إلى أسماء، وشبكات، وتواطؤ مؤسسي.
ومع غياب المتهم الرئيسي، تحولت القضية إلى أرشيف، والأرشيف في الدول العميقة ليس مكان كشف، بل مكان دفن مؤجّل.
الأعجب أن فشل الكاميرات، وتقصير الحراسة، وتناقض التقارير، لم يُفضِ إلى محاسبة جدية. وكأن النظام قال صراحة:
هذه ليست جريمة دولة، بل جريمة مزعجة.
الإعلام: كشف محسوب لا حقيقة كاملة
الإعلام الأمريكي لم يصمت، لكنه لم يكشف أيضًا.
تم تقديم القضية بجرعات مدروسة:
- تحقيقات جزئية
- أسماء تُلمّح ولا تُثبت
- قصص إنسانية تُثير التعاطف دون تفكيك البنية
السبب بسيط:
أي كشف كامل لن يضرب أفرادًا فقط، بل سيهز الثقة في النظام الليبرالي نفسه، الذي يقدّم ذاته كنموذج أخلاقي للعالم.
وهنا تظهر المفارقة:
الدولة التي تُصدّر خطاب حقوق الإنسان، تعجز عن كشف شبكة استغلال داخل نخبها.
تسييس الملف: الحقيقة كذخيرة
اليوم، يُستدعى ملف إبستين كلما اشتد الصراع السياسي الداخلي.
ليس بحثًا عن العدالة، بل استخدامًا انتقائيًا:
- هذا المعسكر يلوّح بالقائمة
- ذاك المعسكر يشكك في المصادر
- والضحايا يظلون خارج المعادلة
الحقيقة هنا لم تعد هدفًا، بل ذخيرة.
تُستخدم ثم تُعاد إلى المخزن.
ما الذي يكشفه الملف حقًا؟
قضية إبستين تكشف خللًا بنيويًا أعمق من الفضائح الجنسية:
- هشاشة استقلال القضاء حين يقترب من النخبة
- قابلية الإعلام للترويض لا الرقابة
- تحوّل القانون من معيار عدالة إلى أداة إدارة أزمة
- وجود طبقة فوق المساءلة، مهما كان الفعل
وهذا أخطر من الجريمة نفسها.
الخلاصة: الدولة حين تحمي الظل
أزمة ملف إبستين ليست في غموض الوثائق، بل في وضوح الرسالة:
هناك حدود لما يُكشف، وحدود لما يُحاسب عليه، وحدود لما يُسمح للمجتمع أن يعرفه.
إبستين مات، لكن وظيفته لم تمت.
وما دام النظام يتعامل مع الفضيحة كأداة لا كجريمة، فإن العدالة ستظل مؤجلة… أو مستحيلة.