
من الأداة إلى الرمز: حين تفقد التقنية معناها الوظيفي
التقنية في أصلها وُجدت لتخدم حاجة عملية واضحة. لكن في الاقتصاد المعاصر، جرى فصلها تدريجيًا عن وظيفتها، وربطها بقيم رمزية: الحداثة، التفوق، الذكاء، والمكانة الاجتماعية. لم يعد الهاتف يُقاس بما ينجزه، بل بما يمثّله.
هكذا تحوّلت الأجهزة من أدوات استخدام إلى شارات هوية؛ من لا يملك الأحدث يُصنَّف ضمنيًا خارج الزمن، حتى لو كان جهازه يؤدي كل ما يحتاجه.
اقتصاد القلق: كيف تُصنَع الحاجة الوهمية
الإعلان الحديث لا يخاطب حاجاتنا، بل هشاشتنا.
هو لا يقول: “اشترِ لأنك تحتاج”، بل:
- ما لديك قديم
- ما تستخدمه محدود
- ما لم تشتره قد يفوّتك المستقبل
يُزرع القلق بوصفه حالة دائمة، ويُقدَّم الشراء كعلاج مؤقت. لكن لأن القلق مُصنَّع، فإن العلاج لا يدوم، وتبدأ دورة استهلاك جديدة. النتيجة: أجهزة متراكمة، واستخدام ضئيل، ورضا مؤجَّل لا يأتي.
وهم الإمكانات: حين يحلّ الشراء محل الفعل
كثير من التقنيات تُقتنى لا لما نفعله بها، بل لما نعتقد أننا قد نفعله.
حاسوب قوي لمشاريع لم تبدأ،
كاميرا احترافية لشغف لم يُمارس،
تابلت ذكي لتدوين أفكار لم تُكتب.
الاقتناء هنا يمنح شعورًا زائفًا بالإنجاز؛ كأن امتلاك الأداة يساوي بدء الطريق. لكن الأداة بلا ممارسة لا تنتج معنى، بل تؤجّل المواجهة مع السؤال الحقيقي: لماذا لا نفعل؟
تسليع المستقبل: عندما يُباع الزمن مقدمًا
في الخطاب التقني السائد، المستقبل ليس أفقًا مفتوحًا، بل منتجًا جاهزًا.
كل إصدار جديد يُقدَّم باعتباره “خطوة إلى الأمام”، ومن لا يلتحق به يبدو وكأنه يتخلّف. هكذا نشتري أجهزة لا لحاضرنا، بل لخوفنا من أن نُقصى من مستقبل لم يتشكّل بعد.
المفارقة أن هذا المستقبل نفسه لا يُعرّف بوضوح؛ هو وعد دائم، لا يصل، لكنه يبرر الاستهلاك المستمر.
التقنية كتعويض نفسي
في مجتمعات تآكل فيها المعنى الجماعي – المشروع السياسي، الأفق الثقافي، الإحساس بالدور – أصبح الاستهلاك أحد أشكال التعويض.
التقنية هنا تؤدي وظيفة نفسية: تمنح إحساسًا بالتحكم، بالتقدم، بالإنجاز الفردي السريع، دون صدام مع الواقع أو تغيير حقيقي فيه.
لكن هذا الإحساس هشّ؛ يحتاج تحديثًا دائمًا، وإلا انهار.
فائض الأدوات مقابل شحّ الفعل
كلما ازدادت التقنيات غير المستخدمة، قلّ الإحساس بالسيطرة على الحياة.
نملك أكثر، ونفعل أقل.
نحدّث الأجهزة، لكن لا نحدّث الأسئلة.
نراكم الإمكانات، ونعجز عن تحويلها إلى فعل.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى:
التقنية التي وُعدنا بها لتحرير الوقت، صارت تملأه باللاجدوى.
الخلاصة: المشكلة ليست في التقنية
المشكلة ليست في التقدم التقني، ولا في الابتكار ذاته، بل في النموذج الذي يفصل الأداة عن المعنى، ويستبدل الاستخدام بالاقتناء، والفعل بالوعد.
نحن لا نحتاج تقنيات أقل، بل وعيًا أكثر:
وعي يطرح السؤال قبل الشراء،
ويسأل: ماذا سأفعل فعلًا؟ لا ماذا سأمتلك؟