التفكيك من الداخل: كيف حاولت أمريكا إشغال الصين كما فعلت مع خصومها… ولماذا فشلت؟

بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، لم تواجه الولايات المتحدة فراغًا في ميزان القوى بقدر ما واجهت فراغًا في العدو. فالإمبراطورية التي اعتادت تعريف ذاتها عبر الخصم، وجدت نفسها مضطرة لإعادة إنتاج الخطر. الصين طُرحت مبكرًا كبديل محتمل، ثم أُزيحت سرديًا لصالح «الحرب على الإرهاب». لكن هذا الإزاحة لم تعنِ غياب الصراع، بل انتقاله إلى مستوى أعمق: محاولة التفكيك من الداخل بدل المواجهة من الخارج.

أولًا: التفكيك الداخلي كعقيدة أمريكية

التاريخ الحديث للسياسة الأمريكية يُظهر نمطًا ثابتًا:
حين يكون الخصم عصيًّا على المواجهة العسكرية المباشرة، يصبح المجتمع والنخبة هما ساحة المعركة.

هذا النمط استُخدم بوضوح في:

  • أوروبا الشرقية
  • الاتحاد السوفياتي المتأخر
  • أمريكا اللاتينية
  • دول كثيرة في العالم الثالث

الأدوات معروفة:

  • نخب “إصلاحية” مرتبطة بالسوق العالمي
  • خطاب ديمقراطي وحقوقي انتقائي
  • منظمات مجتمع مدني ممولة خارجيًا
  • إعلام عابر للحدود يعيد تعريف الشرعية

الهدف لم يكن الانقلاب السريع، بل تآكل الشرعية من الداخل.

ثانيًا: الصين كخصم… لكن بشروط مختلفة

مع نهاية التسعينيات، بدأت واشنطن تدرك أن الصين ليست مجرد شريك تجاري، بل مشروع قوة بديل. ومع ذلك، لم تكن المواجهة المباشرة ممكنة:

  • تشابك اقتصادي عميق
  • اعتماد الشركات الأمريكية على الصين
  • غياب مبرر أخلاقي أو أيديولوجي حاد

لذلك، اتجه التفكير نحو:

إعادة إنتاج سيناريو التفكيك السوفياتي ولكن ببطء وحذر.

فبدأت محاولات:

  • الرهان على طبقة رجال الأعمال
  • الاستثمار في النخب الأكاديمية والثقافية
  • تعميم الخطاب الليبرالي الغربي كنموذج حتمي
  • إبراز قضايا حقوق الإنسان كمدخل سياسي

لكن دون إعلان صريح للصراع.

ثالثًا: لماذا لم تتكرر التجربة السوفياتية؟

الفرق الحاسم أن الصين تعاملت مع انهيار الاتحاد السوفياتي كنص تحذيري، لا كحدث من الماضي.

الاستنتاج الصيني كان واضحًا:

  • الانهيار لم يبدأ بالاقتصاد
  • ولا بالسباق العسكري
  • بل بانقسام النخبة، وانفصال الحزب عن الدولة والمجتمع

لذلك:

  • لم تسمح الصين بتعدد حزبي مرتبط بالخارج
  • لم تترك الإعلام يتحول إلى سلطة موازية
  • لم تفصل الإصلاح الاقتصادي عن الضبط السياسي
  • ولم تفتح المجال لـ«معارضة مُموضعة» داخل النظام

بعكس السوفيات الذين:

  • فتحوا الخطاب قبل تحصين الدولة
  • وراهنوا على الإصلاح السياسي كحل… فكان أداة تفكيك.

رابعًا: الاقتصاد بدل أن يكون مدخلًا للتفكيك

أحد أهم رهانات واشنطن كان أن:

الاندماج في السوق العالمي سيقود تلقائيًا إلى ليبرالية سياسية.

لكن الصين قلبت المعادلة:

  • سمحت بالثراء دون تحويله إلى قوة سياسية مستقلة
  • احتوت الطبقة الوسطى بدل دفعها للمعارضة
  • ربطت الاستقرار بالمكاسب المعيشية

فأصبحت الفئات التي كان يُفترض أن تقود “التحول”:

  • جزءًا من منظومة الاستمرارية
  • لا قاعدة لتفكيكها

وهنا سقط رهان مركزي من رهانات التفكيك الداخلي.

خامسًا: ملفات الأقليات… من الاختراق إلى الضغط الخارجي

حاولت الولايات المتحدة توظيف قضايا مثل:

  • هونغ كونغ
  • شينجيانغ
  • تايوان

بوصفها مداخل لإرباك الداخل الصيني.
لكن هذه الملفات لم تتحول إلى حركات داخلية منظّمة، بل بقيت:

  • أدوات ضغط خارجي
  • ومواد خطاب إعلامي

الصين تعاملت معها كـ:

  • ملفات أمن قومي
  • لا قضايا رأي عام
  • ولا مساحات تفاوض داخلي

وبذلك جرى تحييد أثرها البنيوي داخل المجتمع.

سادسًا: الإيغور… الضجيج الإعلامي وحدود الفعل

قضية الإيغور تمثل النموذج الأوضح للفارق بين الخطاب والفعل في السياسة الأمريكية تجاه الصين.

الملف جرى تضخيمه إعلاميًا بوصفه:

  • قضية أخلاقية كبرى
  • ودليلًا على “الاستبداد الصيني”

لكن دون أن يُترجم إلى:

  • مواجهة اقتصادية حقيقية
  • قطيعة استراتيجية
  • أو تحالف دولي مستعد لدفع الثمن

النتيجة:

ضجيج أخلاقي بلا استعداد للتصعيد.

القضية استُخدمت لـ:

  • تشويه صورة الصين دوليًا
  • إحراجها سياسيًا
  • إبقاء الضغط المعنوي قائمًا

لكنها لم تُعامل كمدخل لتغيير ميزان القوى، لأن ذلك:

  • سيصطدم بتشابك اقتصادي هائل
  • ويُلزم واشنطن بكلفة لا ترغب بتحمّلها

وهكذا بقيت قضية الإيغور:

  • أداة ضغط إعلامي
  • لا رافعة تفكيك داخلي.

سابعًا: لماذا لم يظهر “غورباتشوف صيني”؟

لأن بكين حسمت مبكرًا مسألة قاتلة:

الإصلاح لا يعني تفكيك السلطة.

الصين:

  • فرّقت بين التحديث والإذابة
  • قبلت التغيير تحت السيطرة
  • ورفضت نقل الشرعية من الداخل إلى الخارج

لم تسمح بظهور نخبة:

  • تستمد قوتها من الدعم الغربي
  • أو تقدم نفسها كبديل حضاري للنظام

وهذا ما منع تشكّل لحظة انهيار من الداخل.

خلاصة

نعم، الولايات المتحدة حاولت إشغال الصين من الداخل:

  • عبر النخب
  • والأفكار
  • والخطاب الحقوقي
  • والضغط الإعلامي

لكنها اصطدمت بدولة:

تعلمت من سقوط غيرها،
فأغلقت الأبواب التي دخل منها التفكك سابقًا.

الصراع مع الصين ليس ثورة ملوّنة مؤجلة،
ولا انهيارًا دراميًا،
بل صراع زمن طويل وتراكم بارد.

وهو صراع لا تُجدي فيه الوصفات القديمة،
ولا تُحسم فيه المعارك بالضجيج الإعلامي.

+
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.