
مع انهيار الاتحاد السوفياتي مطلع التسعينيات، بدا أن العالم دخل مرحلة فراغ استراتيجي: قوة عظمى بلا خصم، ونظام دولي بلا توازن. في تلك اللحظة، لم يكن السؤال في واشنطن: هل ستظهر قوة منافسة؟ بل: أي قوة سنختارها لتؤدي هذا الدور؟
الصين طُرحت مبكرًا، ثم اختفت فجأة من الخطاب، لتحل محلها «الحرب على الإرهاب». هذا التحول لم يكن بريئًا ولا عفويًا، بل قرارًا سرديًا – استراتيجيًا، ستكون كلفته لاحقًا تاريخية.
أولًا: فراغ العدو بعد 1991… والبحث عن بديل
سقوط الاتحاد السوفياتي لم يكن مجرد حدث جيوسياسي، بل أزمة هوية للإمبراطورية الأمريكية.
الهيمنة الأمريكية بُنيت طوال الحرب الباردة على ثنائية واضحة:
- نحن/هم
- الحرية/الشيوعية
- الغرب/الكتلة الشرقية
بانهيار الخصم، تلاشى المبرر:
- لميزانيات الدفاع الضخمة
- لانتشار القواعد العسكرية
- لقيادة العالم باسم “الخطر الوجودي”
لذلك، بين 1992 و1998، بدأت مراكز التفكير والإعلام الأمريكي في اختبار الصين كخصم محتمل. ظهرت عناوين عن:
- “الصعود الصيني”
- “الخطر الآسيوي”
- “الشيوعية بوجه جديد”
لكن هذا الطرح بقي محدودًا ومترددًا.
ثانيًا: لماذا لم تنجح الصين كعدو في التسعينيات؟
السبب لم يكن نقص الأدلة، بل تعارض المصالح.
في التسعينيات، كانت الصين:
- مصنعًا عملاقًا للشركات الغربية
- ركيزة أساسية للعولمة النيوليبرالية
- سوقًا مفتوحًا لرؤوس الأموال الأمريكية
- بلا مشروع عسكري توسعي
شيطنة الصين آنذاك كانت تعني:
ضرب قلب النظام الاقتصادي الأمريكي نفسه.
بعبارة أوضح:
الصين لم تكن “عدوًا مناسبًا” للسردية، رغم أنها كانت خصمًا حقيقيًا على المدى البعيد.
ثالثًا: 11 سبتمبر… حين ظهر العدو المثالي
هجمات 11 سبتمبر 2001 مثّلت منعطفًا سرديًا لا يقل أهمية عن كونها حدثًا أمنيًا.
فجأة توفّر لواشنطن:
- عدو واضح إعلاميًا
- مشحون عاطفيًا
- غير دولتي (أي بلا قوانين ردع تقليدية)
- بلا أفق زمني
“الإرهاب” كعدو كان:
- مرنًا
- مطاطيًا
- قابلًا للتوسع بلا حدود
وهنا حصل التحول:
- اختفى خطاب الصين تقريبًا
- توحّد الإعلام خلف رواية واحدة
- أعيد تعريف الخطر العالمي
لم تعد المنافسة الاقتصادية أو التحولات البنيوية هي التهديد، بل “الخلايا” و”الشبكات” و”الأشباح”.
رابعًا: الحرب على الإرهاب كبديل مريح عن الصراع الحقيقي
الفرق الجوهري بين الصين و”الإرهاب” أن:
- الصين تتطلب صبرًا، تخطيطًا، وتحمّل كلفة اقتصادية داخلية
- الإرهاب يبرر ردود فعل فورية، وحروب سريعة، وقرارات فوق القانون
الحرب على الإرهاب سمحت لـ:
- غزو أفغانستان والعراق
- إعادة الانتشار العسكري في آسيا والشرق الأوسط
- فرض تشريعات استثنائية داخل أمريكا
- عسكرة السياسة الخارجية دون مساءلة
بينما الصراع مع الصين:
- كان سيكشف تناقضات العولمة
- ويضع الشركات الأمريكية في مأزق
- ويفرض تغييرًا في نمط الاستهلاك والإنتاج
لذلك، تم تأجيله عمدًا.
خامسًا: الصين تستفيد من الصمت
بينما كانت واشنطن:
- تستنزف تريليونات الدولارات
- تغرق في حروب بلا نهاية
- تفقد رصيدها الأخلاقي عالميًا
كانت بكين:
- تنضم إلى منظمة التجارة العالمية
- تبني قاعدة صناعية هائلة
- تسيطر على سلاسل الإمداد
- تراكم احتياطيًا نقديًا ضخمًا
- تستثمر في التعليم والتكنولوجيا
الصين لم تنتصر على أمريكا عسكريًا، بل:
استفادت من انشغالها.
وهنا المفارقة:
الحرب التي رُوّج لها كحماية للأمن القومي الأمريكي، كانت عمليًا أكبر هدية استراتيجية للصين.
سادسًا: العودة المتأخرة لخطاب “الخطر الصيني”
بعد الأزمة المالية العالمية 2008، بدأ الوعي الأمريكي المتأخر:
- النظام المالي يهتز
- الصين تمسك بالديون
- التكنولوجيا لم تعد حكرًا غربيًا
فعاد الخطاب:
- الصين تهديد
- الصين تخترق الاقتصاد العالمي
- الصين خصم استراتيجي
لكن بعد ماذا؟ بعد أن تحولت الصين من “مصنع” إلى فاعل بنيوي في النظام الدولي.
خلاصة: خطأ في قراءة العدو أم هروب من المواجهة؟
ما جرى ليس سوء تقدير بسيطًا، بل اختيار واعٍ لعدو أسهل:
- الإرهاب: عدو يمكن تسويقه، تمديده، والتحكم بسرده
- الصين: خصم صامت، تراكمي، لا يصلح للدعاية السريعة
الولايات المتحدة لم تفشل لأنها تجاهلت الصين،
بل لأنها فضّلت مواجهة الوهم على مواجهة التحول التاريخي الحقيقي.
وهكذا، ضاع عقد كامل من الزمن…
وكان الثمن صعود خصم لم يعد يمكن احتواؤه بسهولة.