سياسة إدارة الرمز في التنظيمات المسلحة: أبو عبيدة

في الصراعات غير المتكافئة، لا تُدار المواجهة بالسلاح وحده، بل بالرموز والخطاب والقدرة على ضبط الوعي العام. ضمن هذا الإطار، يمكن قراءة استمرار استخدام اسم «أبو عبيدة» كمتحدث عسكري لكتائب القسام بعد الإعلان عن استشهاد حامله السابق، باعتباره مثالًا واضحًا على سياسة إدارة الرمز، لا مجرد تعيين وظيفي أو إجراء إعلامي عابر.

من الفرد إلى الوظيفة الرمزية

على مدى سنوات، جرى تقديم «أبو عبيدة» بوصفه صوتًا بلا وجه، ونبرة بلا سيرة شخصية. هذا الاختيار لم يكن تقنيًا فحسب، بل أسّس لتحويل المتحدث من شخص محدد إلى وظيفة رمزية داخل التنظيم. ومع تراكم الظهور الإعلامي بالأسلوب ذاته، تراجعت أهمية السؤال: من هو؟ لصالح سؤال آخر: ماذا يقول؟ وهنا تبدأ عملية فصل الرمز عن الجسد.

الموت كمعطى طبيعي لا كنقطة انهيار

ضمن هذه البنية، لا يُنظر إلى موت القائد بوصفه نكسة تنظيمية بالمعنى التقليدي، لا داخل التنظيم نفسه ولا في وعي المتابعين له. فالقادة يُقدَّمون منذ البداية كأفراد يعملون داخل ميدان مفتوح على الاحتمالات القصوى، حيث يُعدّ الموت احتمالًا قائمًا في كل لحظة، لا حدثًا استثنائيًا يغيّر مسار الصراع. هذا التصور المسبق يُفرغ الاغتيال من قيمته الصدمية، ويحوّل الفقد من كونه كسرًا في التسلسل القيادي إلى جزء من شروط الاشتباك نفسها.

القائد كعنصر ضمن المجموعة

في هذا السياق، لا يُصاغ القائد بوصفه مركزًا منفصلًا عن القاعدة، بل كعنصر متقدم داخل المجموعة، يتقاسم معها المخاطر ذاتها. هذه المقاربة تقلّل من الفجوة الرمزية بين القيادة والتنفيذ، وتجعل غياب الفرد—even إن كان بارزًا—أقل تأثيرًا على تماسك البنية العامة. فالموت هنا لا يعني خروج «العقل» من المعركة، بل فقدان أحد حوامل الدور، مع بقاء الدور نفسه قائمًا.

تحييد أثر الاستهداف

انطلاقًا من ذلك، يمكن فهم كيفية تحييد الأثر السياسي والنفسي لعمليات الاغتيال. فحين يكون المستهدف حاملًا لرمز قابل لإعادة الإنتاج، ينحصر تأثير الضربة في المستوى البيولوجي، دون أن يمتد إلى مستوى الخطاب أو البنية. استمرار الاسم ذاته يؤدي وظيفة نفي الانقطاع، ويعيد ضبط الإيقاع الإعلامي بسرعة، بما يحدّ من قدرة الخصم على فرض سردية الانكسار.

الاستمرارية كرسالة

الاحتفاظ بالاسم ذاته يوجّه رسالة مزدوجة:

  • للخصم: بأن آلية «قطع الرأس» لا تؤدي بالضرورة إلى تفكيك الخطاب أو تعطيل التواصل.
  • وللبيئة الحاضنة: بأن التنظيم لم يدخل مرحلة ما بعد أو إعادة تأسيس، بل يواصل المسار نفسه دون إعلان قطيعة أو مراجعة علنية.

هذه الاستمرارية لا تعني غياب التغيير داخليًا، لكنها تعني أن التغيير—إن وُجد—يُدار بعيدًا عن الواجهة.

ضبط النبرة واللغة

إدارة الرمز لا تتوقف عند الاسم، بل تشمل النبرة والمفردات والإيقاع. فالتشابه الملحوظ في الصياغة واللغة بين الإطلالات المختلفة للمتحدث يعزّز الإحساس بوحدة الصوت، ويقلّل من احتمالات التشويش أو التأويل. في هذا المستوى، يصبح الرمز أداة لتوحيد التلقي، لا لإبراز الكاريزما الفردية.

الرمز كأداة تنظيمية

من منظور تنظيمي، يوفّر الرمز قابلية للاستبدال دون كلفة عالية. فالمتحدث ليس مركز قرار، بل واجهة خطاب. هذا الفصل بين القرار والتنفيذ الإعلامي يسمح بإدارة المخاطر، ويقلّل من اعتماد التنظيم على أفراد بعينهم في المجال العلني، ويحوّل الرمزية من عبء محتمل إلى مورد استراتيجي.

حدود الرمز

مع ذلك، لا يعني نجاح إدارة الرمز أنه بديل كامل عن الواقع الميداني. فالرمز قادر على تثبيت الخطاب، لكنه غير قادر وحده على تعويض التحولات الفعلية في ميزان القوى أو النتائج على الأرض. لذلك، تبقى فاعلية الرمز مرهونة بقدرته على البقاء متسقًا مع الوقائع، لا منفصلًا عنها.

خلاصة

في حالة «أبو عبيدة»، لا يتعلق الأمر بإحياء اسم بقدر ما يتعلق بتثبيت بنية خطابية صُمّمت منذ البداية لتكون قابلة للاستمرار في بيئة تتعامل مع الموت بوصفه معطى متوقعًا لا لحظة كسر. المتحدث الجديد—أيا كان—لا يُقدَّم بوصفه شخصية جديدة، بل كحامل لدور قائم. وبهذا، تتحول الاستمرارية من رد فعل على الاستهداف إلى جزء من استراتيجية أوسع لإدارة الصراع على مستوى الوعي، لا الأشخاص.


لماذا تفشل قراءة الاغتيال بمنطق الدول في صراعات غير دولية؟

يعود جزء كبير من سوء التقدير في تقييم أثر الاغتيالات إلى إسقاط منطق الدولة الحديثة على صراعات لا تعمل ضمن قواعدها. ففي الدول، يرتبط القائد بمؤسسة رسمية، وسلسلة قرار واضحة، وشرعية قانونية تجعل غيابه حدثًا مُربكًا بطبيعته. أما في التنظيمات غير الدولتية، خصوصًا تلك المنخرطة في حروب استنزاف طويلة، فإن القيادة تُبنى غالبًا على مبدأ التوزيع لا التمركز، وعلى أدوار قابلة للتداول لا على أفراد غير قابلين للاستبدال. من هنا، يصبح الاغتيال حدثًا أمنيًا محدود الأثر، ما لم يُترجم إلى تغيير فعلي في موازين القوة أو شروط الصراع. القراءة التي تكتفي بإعلان «مقتل القائد» بوصفه إنجازًا نهائيًا، تتجاهل سؤال النتائج، وتعيد إنتاج خطاب رمزي مضاد للواقع، أكثر مما تفسّر ما يجري على الأرض.

+
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.