
ما جرى في فنزويلا مؤخرًا لا يصحّ اختزاله في حادثة أمنية أو تطوّر سياسي داخلي، بل يجب قراءته بوصفه تحوّلًا نوعيًا في أدوات الصراع الدولي. لسنا أمام انقلاب تقليدي، ولا حرب مفتوحة، ولا مسار أممي طويل، بل أمام نمط إسقاط جديد يُدار خارج القوالب الكلاسيكية، ويعيد طرح سؤال السيادة من جذوره: كيف يمكن نزع رأس الدولة دون اجتياح، ودون غطاء دولي صريح، ودون انهيار فوري لمؤسساتها؟ هنا تتجاوز القضية فنزويلا، لتصبح لحظة كاشفة لانكشاف القواعد التي كان يُفترض أنها تنظّم النظام الدولي.
أولًا: الحدث بوصفه عملية هجينة لا فعلًا خارجيًا خالصًا
رغم الطابع الخارجي الحاسم لما جرى، لا يمكن فهم الحدث بوصفه فعلًا أمريكيًا صرفًا؛ إذ لا توجد في الجغرافيا السياسية الحديثة عملية إسقاط بهذا المستوى من دون بنية داخلية قابلة للاختراق. الجديد والخطير ليس التدخل الخارجي بحد ذاته، بل كيفية تحويل التواطؤ الداخلي إلى أداة سيادية فعّالة: شبكات محلية، أمنية أو سياسية، تُستخدم لتمرير الضربة، ومنحها شرعية الأمر الواقع. بهذا المعنى، لم تُسقط الدولة من الخارج، بل أُفرغت من الداخل، عبر تقاطع محسوب بين ضغط خارجي مباشر واستعداد داخلي للانخراط فيه.هذا النوع من الأفعال يؤسس لسابقة جديدة:
يمكن تحييد قيادة دولة كاملة خارج إطار الحرب، وخارج أي تفويض دولي، إذا توافرت القوة والقدرة.
وهنا ينتقل الصراع الدولي من مرحلة تغيير الأنظمة إلى مرحلة نزع الشرعية بالقوة الصرفة.
ثانيًا: لماذا فنزويلا تحديدًا؟
اختيار فنزويلا لم يكن عشوائيًا، بل نتاج حسابات دقيقة:
1. دولة غنية وضعيفة في آن واحد
فنزويلا تمتلك واحدًا من أكبر احتياطيات النفط في العالم، لكنها في الوقت ذاته:
- منهكة اقتصاديًا
- معزولة سياسيًا
- ومخترقة اجتماعيًا
هذا التناقض يجعلها هدفًا مثاليًا: الغنيمة كبيرة، والكلفة الجيوسياسية محدودة.
2. الموقع الجغرافي الحساس
فنزويلا تقع في المجال الحيوي المباشر للولايات المتحدة. أي تحدٍّ سيادي فيها يُقرأ بوصفه تحديًا داخل “الحديقة الخلفية”، حيث لا يُسمح تاريخيًا بقيام نماذج مستقلة طويلة الأمد.
3. ضعف شبكة الحماية الدولية
رغم علاقاتها مع روسيا والصين، فإن فنزويلا ليست أولوية استراتيجية قصوى لأي منهما، ما يجعلها حلقة اختبار لمدى استعداد الحلفاء للدفاع عن شركائهم خارج ساحات الراع الكبرى.
ثالثًا: كسر مفهوم الحصانة السيادية
أخطر ما في الحدث ليس تغيير موازين القوى داخل فنزويلا، بل ضرب فكرة الحصانة السيادية في الصميم.
تقليديًا، كان رئيس الدولة يتمتع بحماية مزدوجة:
- حماية قانونية دولية
- وحماية سياسية نابعة من كلفة المساس به
ما جرى ألغى هاتين الحمايتين عمليًا، وأرسل رسالة واضحة:
المنصب لا يحميك، والاعتراف الدولي لا يكفي.
وهذا التحول يعيد تعريف السيادة من كونها “حقًا” إلى كونها وضعًا مشروطًا بميزان القوة.
رابعًا: الرسالة الجيوسياسية المبطنة
ما حدث في فنزويلا لم يكن موجّهًا للفنزويليين أولًا، بل إلى أطراف أخرى:
1. إلى الأنظمة المتوسطة والضعيفة
2. إلى الحلفاء المحتملين لخصوم واشنطن
3. إلى الداخل الأميركي
خامسًا: ماذا يعني ذلك لمستقبل فنزويلا؟
1. دولة بلا رأس سيادي حقيقي
حتى لو تشكّلت سلطة بديلة، فإنها ستعمل في ظل:
- شرعية منقوصة
- قرار سياسي مرتهن
- وهوامش استقلال محدودة
بعبارة أخرى: انتقال من دولة ذات سيادة ضعيفة إلى دولة مُدارة.
2. تفكك مفهوم “الحل الداخلي”
بعد هذا الحدث، لم يعد الصراع الفنزويلي شأنًا داخليًا قابلًا للتسوية الوطنية، بل أصبح ملفًا خارجيًا بامتياز، تُحدَّد مساراته خارج كاراكاس أكثر مما تُحدَّد داخلها.,
سادسًا: الانعكاسات الإقليمية والدولية
على أميركا اللاتينية
الصدمة الحقيقية ليست في فنزويلا، بل في العواصم المجاورة. الرسالة وصلت بوضوح:
- سقف الاستقلال أقل مما كان يُظن
- والخروج عن الإجماع الجيوسياسي مكلف
على النظام الدولي
سابعًا: هل نحن أمام نموذج جديد للتدخل؟
نعم. جيوسياسيًا، يمكن توصيف ما جرى بوصفه:
- انتقالًا من “تغيير الأنظمة”
- إلى “تحييد الرؤوس”
- ومن الاحتلال إلى الفراغ المُدار
هذا النموذج أقل كلفة، أسرع تنفيذًا، وأكثر قابلية للتكرار في دول أخرى تتشابه ظروفها مع فنزويلا.
الخلاصة التحليلية
جيوسياسيًا، فنزويلا أصبحت:
- ساحة اختبار
- ورسالة ردع
- ونقطة تحوّل في كيفية ممارسة الهيمنة
أما العالم، فهو يدخل مرحلة تُدار فيها الصراعات لا عبر الحروب الكبرى، بل عبر ضربات سيادية دقيقة، تُسقط الرمز وتُبقي الجسد قائمًا… بلا قرار.