
يتكرر المشهد في دولٍ مختلفة وبخطابات متناقضة: سياسيٌّ يعارض بشراسة، يرفع سقف الوعود، ويُدين السياسات القائمة بوصفها ظالمة أو فاشلة. ثم يصل إلى السلطة، فلا يغيّر إلا اللغة، بينما يبقي الجوهر كما هو.
يُفسَّر هذا غالبًا بالخيانة أو الانتهازية، لكن هذا التفسير السهل يُخفي السؤال الأهم:
هل المشكلة في السياسي… أم في الدولة التي يدخلها؟
أولًا: الدولة ليست الحكومة
الخلط بين الدولة والحكومة هو أصل الوهم السياسي المعاصر.
الحكومة كيان متغيّر، تُنتخب وتُسقط، تُمدح وتُهاجم.
أما الدولة، فهي منظومة متراكمة من:
- قوانين طويلة الأمد
- مؤسسات مالية وإدارية
- التزامات دولية
- شبكات مصالح اقتصادية
- قواعد غير مكتوبة لضبط السلوك السياسي
هذه المنظومة لا تُعاد صياغتها مع كل انتخابات، بل تُورَّث.
لذلك، من يدخل الحكم لا يستلم سلطة مطلقة، بل يستلم موقعًا داخل مسار قائم.
ثانيًا: لحظة الدخول… حيث يموت الخطاب
في المعارضة، السياسة أخلاق.
في السلطة، السياسة حساب.
عند تسلّم الحكم، لا يُسأل السياسي عمّا كان يقوله، بل عمّا سيفعله غدًا مع:
- ميزانية مثقلة
- ديون قائمة
- تصنيف ائتماني حساس
- مستثمرين يراقبون
- جهاز إداري لا يتغيّر
هنا يحدث التحوّل الحاسم:
الشعارات لا تُلغى، لكنها تُعاد ترجمتها إلى أرقام.
وما لا يتحمّل الأرقام… يُؤجَّل، أو يُخفَّف، أو يُدفن بهدوء.
ثالثًا: لماذا لا يستطيع السياسي كسر المسار؟
السبب ليس ضعف الشخصية، بل قوة البنية.
أي محاولة تغيير جذري تصطدم فورًا بثلاثة جدران:
- السوق: العملة، الاستثمار، رؤوس الأموال المتحركة
- البيروقراطية: مؤسسات صُمّمت للاستمرارية لا للمغامرة
- المجتمع المُقيَّد: أفراد مثقلون بالديون والالتزامات، يخشون الفوضى أكثر من الظلم البطيء
النتيجة:
يتحوّل “الإصلاح” من تغيير المسار إلى إدارة الضرر.
رابعًا: من السياسة إلى الإدارة
هنا يفقد الحكم طابعه السياسي، ويكتسب طابعًا تقنيًا.
القرارات لا تُقدَّم بوصفها اختيارات، بل بوصفها:
- “ضرورات”
- “واقعًا لا بديل له”
- “حلولًا مؤقتة”
وبذلك تُفرَّغ السياسة من جوهرها، وتصبح:
فن إبقاء النظام يعمل… لا فن تغييره.
ولهذا، تتشابه السياسات مهما اختلفت اللافتات.
خامسًا: لماذا لا يحدث التغيير إلا عند الانقطاع؟
التاريخ يُظهر نمطًا ثابتًا:
التغيير البنيوي لا يحدث في ظل الاستمرارية السلسة.
بل يحدث عند:
- صدمة اقتصادية كبرى
- انهيار مالي
- حرب
- انقلاب
- احتلال
هذه الأحداث، رغم كلفتها العالية، تكسر القواعد القديمة وتفرض إعادة كتابة المسار.
لكنها لا تضمن عدالة ولا تحسّنًا، بل فقط تفتح المجال للتغيير.
أما داخل النظام الطبيعي، فالتغيير الجذري يُعتبر خطرًا وجوديًا.
سادسًا: لماذا تتشابه التجارب عالميًا؟
لأن الدولة الحديثة، في جوهرها، أصبحت:
- أكثر تعقيدًا من أن تُدار بالشعارات
- أكثر ارتباطًا بالاقتصاد العالمي من أن تتحمّل الانفصال
- أكثر قدرة على امتصاص المعارضة من أن تُهزّ من الداخل
وهكذا، لا يحتاج النظام إلى قمع مباشر.
يكفي أن:
- يُغرق السياسي بالملفات
- يُحاصره بالأرقام
- ويُذكّره دومًا بالكلفة
فيتكيّف… أو يُقصى بهدوء.
سابعًا: أخطر وهم سياسي
الوهم الأكبر هو الاعتقاد أن:
صندوق الاقتراع يغيّر المسار.
في الواقع:
- الصندوق يغيّر المدير
- لا يغيّر النظام
والفرق بينهما هو الفرق بين:
- اختيار من يقود السفينة
- وتغيير اتجاه التيار
الخاتمة: السؤال الذي يجب أن يُطرح
ليست المشكلة أن السياسيين “ينقلبون”.
المشكلة أن الدولة الحديثة لا تسمح إلا بنوع واحد من السلوك.
ولهذا، يتشابه الحكّام،
وتتبدّل الوجوه،
ويبقى المسار.
السؤال الحقيقي ليس:
لماذا خذلنا السياسي؟
بل:
هل ما زالت السياسة قادرة على التغيير…
أم تحوّلت إلى إدارة دائمة لوضع لا يُمسّ؟