الهامش المسموح: كيف تسمح الأنظمة بالنقد دون تغيّر المعادلة؟

في كثير من الأنظمة الحديثة، توجد قوانين وسياسات تعتبر «محرمًا» انتقادها مباشرة، سواء لحماية جماعات دينية أو عرقية، أو لأسباب سياسية حساسة. ومع ذلك، يلاحظ أحيانًا أن بعض الشخصيات العامة تستطيع انتقاد هذه السياسات أو الدول المرتبطة بها دون مواجهة عقاب.

هذا لا يعني حرية مطلقة، بل أداة مدروسة: السماح ببعض النقد يعطي الانطباع بالحرية ويخدم النظام نفسه. المقال هذا يحلل آليات السماح بالنقد، حدودها، وأهدافها الخفية، دون ذكر أسماء أو أحداث محددة، كحالة عامة يمكن ملاحظتها في العديد من الأنظمة الغربية.


أولًا: الهامش المسموح ليس فراغًا

الأنظمة الحديثة تمنح هامشًا محدودًا للنقد ليس لإتاحة حرية التعبير، بل لأسباب عملية:

  • امتصاص الغضب الشعبي.
  • التحكم في مسار النقاش.
  • إعطاء شعور زائف بالتعددية.

النقد المسموح محكوم بإطار دقيق، ولا يتعداه إلا عند تهديد النظام نفسه.


ثانيًا: التفريق بين الهوية والسياسة

النقد المسموح يقف على هذا التفريق:

  • الهوية الدينية أو العرقية للأفراد مقدسة، ولا يمكن انتقادها.
  • السياسات أو حكومات معينة يمكن نقدها، لكن بشرط أن يبقى النقد محصورًا بالقضايا السياسية دون ربطها بالبنية الأكبر للسلطة أو الهيمنة.

ثالثًا: المعارضة المقبولة

المعارضة المسموح بها هي:

  • لا تهدد البنية الأساسية للنظام.
  • تعمل من داخل المؤسسات.
  • تركز على الأخطاء الفردية أو السياسات، لا على النظام ككل.

هي صمام أمان يمتص الغضب دون السماح بتغيير جذري.


رابعًا: تحوّل المزاج الشعبي لا يغيّر القرار

السماح بانتقاد سياسات معينة لا يعني أن النظام وافق أخلاقيًا. بل هو قراءة دقيقة لتحولات الرأي العام:

  • أجيال جديدة أقل ارتباطًا بالسرديات التقليدية.
  • فضاء إعلامي مفتوح يصعب ضبطه بالكامل.
  • محاولة لإبقاء النقاش ضمن حدود آمنة.


خامسًا: الخط الأحمر

هناك قاعدة غير معلنة:

  • يمكن انتقاد السياسات أو قوانين معينة.
  • لا يمكن مساءلة النظام بأكمله أو ربط هذه السياسات بدور بنيوي أوسع في السيطرة السياسية أو الاقتصادية.


سادسًا: السماح مؤقت وقابل للسحب

الهامش المسموح ليس حقًا مكتسبًا، بل امتياز مؤقت.
يُسحب عند أي تهديد حقيقي للبنية، وعند تجاوز الحدود المرسومة.


الخلاصة

النقد المسموح لا يغيّر المعادلة:

  • يُفرغ الغضب، يعطي شعورًا بالحرية، لكنه لا يمس البنية الأساسية.
  • النقد البنيوي الحقيقي، الذي يكشف وظائف السلطة أو الهيمنة، لا يُمنح هامشًا.

السماح بالنقد ليس علامة على انفتاح النظام، بل أداة ضبط مدروسة.

+
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.