
تفكيك خطأ الحسابات وحدود القوة أمام المجتمعات غير القابلة للإخضاع
لم يكن الانسحاب الأمريكي من أفغانستان فشلًا مفاجئًا، بل النتيجة المنطقية لمسارٍ بُني على وهمٍ تأسيسي: أن الضعف يعني القابلية للسيطرة. فبينما أحجمت واشنطن عن مواجهة إيران إدراكًا لتعقيدها، اندفعت إلى أفغانستان بثقةٍ مفرطة، ظنّت معها أن دولةً مفككة ستُسقَط بسهولة، دون أن تنتبه أنها تدخل صراعًا مع مجتمع لا يُهزم بالطريقة التي تُهزم بها الدول. هذه المقالة لا تناقش الهزيمة، بل تفكك أسبابها العميقة.
أولًا: كيف رأت أمريكا أفغانستان؟
في الذهنية الأمريكية بعد 11 سبتمبر، بدت أفغانستان هدفًا مثاليًا:
- دولة بلا مؤسسات مركزية فعالة.
- اقتصاد هامشي لا يملك أوراق ضغط.
- نظام سياسي (طالبان) معزول دوليًا.
- مجتمع قبلي منقسم ظاهريًا.
بهذه المعطيات، لم تُصنَّف أفغانستان كـ«خصم استراتيجي»، بل كـساحة أمنية فارغة يمكن إعادة ترتيبها بسرعة.
هذا التقدير لم يكن خطأً عسكريًا في بدايته؛ فطالبان سقطت بسرعة، لكن الخطأ كان أعمق: الخلط بين إسقاط السلطة وإخضاع المجتمع.
ثانيًا: منطق الدولة مقابل منطق المجتمع
أمريكا بارعة في التعامل مع الدول، لكنها عاجزة أمام المجتمعات.
الدولة كيان يمكن:
- قصفه.
- احتلال عاصمته.
- إسقاط قيادته.
- إعادة تشكيل مؤسساته.
أما المجتمع، خصوصًا حين يكون:
- تقليديًا،
- متديّنًا،
- قائمًا على الولاءات المحلية،
فهو كيان غير قابل للحسم العسكري.
أفغانستان لم تكن دولة قوية، لكنها كانت مجتمعًا صلبًا في رفضه للهيمنة الخارجية. هذا النوع من الصراع لا يُحسم بالدبابات ولا بالطائرات، بل يحتاج إلى شرعية ثقافية وسياسية… وهو ما لم تملكه واشنطن يومًا.
ثالثًا: حين يتحول التفكك إلى مصدر قوة
في المنطق الغربي، التفكك ضعف.
في الواقع الأفغاني، التفكك كان آلية صمود.
- غياب الدولة المركزية يعني غياب هدف واضح للحسم.
- الاقتصاد البدائي يقلل أثر الحصار والعقوبات.
- البنية القبلية تتيح امتصاص الضربات دون انهيار شامل.
طالبان لم تنتصر لأنها تفوقت عسكريًا،
بل لأنها لم تكن مضطرة للنصر.
كان يكفيها البقاء، الانتظار، والاستنزاف.
بينما كانت أمريكا مضطرة إلى:
- تبرير وجودها سياسيًا.
- إظهار تقدم ملموس.
- تسويق “النجاح” داخليًا.
وهنا يبدأ الخلل البنيوي.
رابعًا: الدولة التي بنتها أمريكا… ولم تكن دولة
بعد إسقاط طالبان، بدأت واشنطن مشروع “بناء الدولة”.
لكن ما بُني في كابول لم يكن دولة بالمعنى الحقيقي، بل:
- سلطة مرتبطة بالخارج ماليًا وأمنيًا.
- نخبة معزولة عن المجتمع الريفي.
- مؤسسات تعمل بالتمويل لا بالشرعية.
- جيش بلا عقيدة وطنية، بل برواتب.
هذه الدولة لم تكن امتدادًا للمجتمع،
بل جسمًا غريبًا مزروعًا فيه.
لذلك، حين انسحبت الحماية الأمريكية، لم تنهَر الدولة…
بل اختفت، لأنها لم تكن موجودة فعليًا.
خامسًا: المقارنة مع إيران تكشف جوهر الخطأ
في إيران، أدركت أمريكا أن:
- الدولة متماسكة.
- المجتمع مُسيّس.
- أي تدخل سيُوحّد الداخل ضد الخارج.
فامتنعت عن الغزو.
في أفغانستان، ظنّت العكس:
- لا دولة.
- لا مشروع جامع.
- لا قدرة على مقاومة طويلة.
لكنها لم تفهم أن:
غياب الدولة لا يعني سهولة السيطرة،
بل يعني غياب نقطة الحسم.
إيران دولة قوية يصعب كسرها.
أفغانستان مجتمع مفتوح يستحيل إخضاعه.
والفارق هنا قاتل لأي قوة عظمى.
سادسًا: التكنولوجيا ضد الزمن
خاضت أمريكا حربها في أفغانستان:
- بالتكنولوجيا،
- بالضربات الجوية،
- بالاستخبارات المتقدمة.
لكنها واجهت خصمًا يقاتل:
- بالزمن،
- بالصبر،
- بالذاكرة التاريخية.
هذا صراع غير متكافئ، لا لأن أحد الطرفين أضعف،
بل لأن كل طرف يلعب لعبة مختلفة.
أمريكا تقيس النجاح بالسنوات والميزانيات.
طالبان تقيسه بالبقاء والاستمرار.
وفي صراعات الزمن الطويل، ينتصر من لا يتعجل النهاية.
سابعًا: الفشل لم يكن في الانسحاب… بل في الفكرة
الانسحاب الأمريكي لم يكن لحظة الفشل،
بل لحظة الاعتراف به.
الفشل الحقيقي كان:
- في افتراض إمكانية “إعادة تشكيل” مجتمع بالقوة.
- في إسقاط نموذج الدولة الغربية على بيئة لا تنتجه.
- في تجاهل التاريخ الأفغاني كأرض تبتلع الإمبراطوريات.
من البريطانيين، إلى السوفييت،
كانت أفغانستان دائمًا المكان الذي تنكسر فيه أوهام السيطرة.
الخلاصة: درس أفغانستان الذي لم يُستوعَب
أمريكا لم تخسر في أفغانستان لأنها ضعيفة،
بل لأنها أساءت فهم طبيعة القوة وحدودها.
ظنّت أن الضعف البنيوي يعني سهولة الإخضاع،
فاكتشفت أن بعض المجتمعات لا تُهزم،
بل تُنهك من يحاول إخضاعها.
إيران أخافتها لأنها دولة قوية تُقاوم.
أفغانستان خدعتها لأنها بدت ضعيفة… فكانت عصيّة.
وهنا تنكشف المفارقة الكبرى في النظام الدولي:
الدول القوية تُردَع،
أما المجتمعات غير القابلة للقولبة…
فتُسقط الإمبراطوريات بصبرها، لا بسلاحها.