لماذا لم تُنهِ أمريكا إيران كما أنهت العراق؟

تفكيك وهم القوة وحدود الحسم الإمبراطوري

لم يكن صبرُ الولايات المتحدة على إيران نابعًا من تسامحٍ أو حسابات أخلاقية، بل من إدراكٍ بارد لحدود القوة حين تُواجَه بدولةٍ مُصمَّمة على البقاء. فبين العراق الذي سقط سريعًا، وإيران التي استعصت طويلًا، تتكشف فجوةٌ جوهرية بين القدرة على الضرب، والقدرة على الحسم. هذه المقالة لا تبحث في الحدث، بل في البنية؛ ولا في الشعارات، بل في ما عجزت القوة الأمريكية عن قوله صراحة.

أولًا: العراق كدولة منهكة… وإيران كدولة مُصمَّمة للصراع

حين غزت الولايات المتحدة العراق، لم تكن تواجه دولة بكامل حيويتها، بل كيانًا أنهكته الحروب والعقوبات والتآكل الداخلي. الجيش العراقي كان مُنهكًا، البنية الاقتصادية مدمَّرة، والنظام السياسي معزول داخليًا وإقليميًا. إسقاط بغداد لم يكن معركة مع دولة، بل مع قشرة خارجية فقدت تماسكها.

إيران، على النقيض، تشكّلت منذ ثورتها على منطق الصراع الدائم. حرب الثماني سنوات مع العراق لم تُحطّمها، بل أعادت صياغة مؤسساتها الأمنية والعسكرية على قاعدة التحمل والاستنزاف. الدولة الإيرانية ليست دولة رفاهٍ مهدَّدة بالانهيار عند أول صدمة، بل دولة أُعيد بناؤها لتعيش تحت الضغط، وتعتبر العقوبات والحصار جزءًا من البيئة الطبيعية لا استثناءً طارئًا.

ثانيًا: إسقاط نظام لا يعني تفكيك دولة

في العراق، كان النظام هو الدولة تقريبًا. بسقوطه، سقطت المؤسسات، وانهارت البنية، وفتح الفراغ أبوابه للفوضى.
أما في إيران، فالنظام متشابك مع الدولة، لكنه ليس مرادفًا لها بالكامل. حتى السيناريو الافتراضي لإسقاط القيادة السياسية لا يعني انهيار الجهاز الإداري أو الأمني أو العسكري.

هذا الفارق هو ما يجعل الخيار العسكري محفوفًا بالمجهول:

  • من يحكم بعد الضربة؟
  • من يضبط البلاد؟
  • وكيف تُدار دولة بحجم إيران جغرافيًا وبشريًا وعقائديًا؟

الجواب الأمريكي على هذه الأسئلة كان دائمًا واحدًا: لا جواب مضمون.

ثالثًا: إيران ليست ساحة… بل شبكة

العراق كان ساحة مستقلة نسبيًا.
إيران هي مركز شبكة إقليمية ممتدة.

أي ضربة عسكرية مباشرة تعني تلقائيًا تفعيل عدة ساحات:

  • الخليج، حيث الممرات النفطية.
  • العراق، حيث النفوذ المتداخل.
  • سوريا ولبنان، حيث التوازنات الحساسة.
  • اليمن، حيث خاصرة الضغط غير المباشر.
  • إسرائيل، التي لا تستطيع البقاء خارج أي مواجهة إيرانية.

الحرب مع إيران ليست حرب جبهة واحدة، بل انفجار جيوسياسي متعدد الاتجاهات، لا يمكن ضبط إيقاعه أو توقيت نهايته.

رابعًا: منطق الحرب… ومنطق الاستنزاف

الولايات المتحدة تُجيد الحروب السريعة ذات النهاية الواضحة.
إيران تُجيد الحروب الطويلة بلا إعلان رسمي.

الفارق هنا ليس في القوة، بل في الفلسفة:

  • أمريكا تحتاج نصرًا يُباع داخليًا.
  • إيران تحتاج صمودًا يُترجم خارجيًا.

إيران لا تواجه خصومها بالدبابات في العلن، بل بالضغط المتراكم، والرد غير المباشر، وتوزيع الكلفة على الزمن. هذا النوع من الصراع لا يناسب القوة الأمريكية، لأنه يُفقدها عنصر الحسم، ويحوّل التفوق العسكري إلى عبء سياسي.

خامسًا: كلفة ما بعد الحرب… الكابوس الأمريكي

السؤال الحقيقي لم يكن يومًا: هل تستطيع أمريكا ضرب إيران؟
بل: هل تستطيع تحمّل نتائج الضربة؟

احتلال إيران شبه مستحيل:

  • عدد سكاني ضخم.
  • تضاريس معقّدة.
  • هوية وطنية مُسيَّسة.
  • تجربة تاريخية مع الغزو الخارجي.

وحتى دون احتلال، فإن:

  • تعطيل مضيق هرمز يضرب الاقتصاد العالمي.
  • ارتفاع أسعار الطاقة يخلق أزمات داخلية لحلفاء واشنطن.
  • الفوضى الإقليمية تُعيد إنتاج خصوم جدد بدل تصفية الخصم القديم.

العراق كان درسًا قاسيًا:
سقوط النظام لا يعني نهاية المشكلة، بل بدايتها.

سادسًا: العقوبات بدل الحرب… إدارة العجز لا حلّه

عجزت الولايات المتحدة عن الحسم العسكري، فلجأت إلى:

  • العقوبات الاقتصادية.
  • الاغتيالات المحدودة.
  • الضغوط الدبلوماسية.
  • المفاوضات المؤقتة.

هذه الأدوات لا تهدف إلى إنهاء إيران، بل إلى إدارتها: تقليص حركتها، كبح طموحاتها، دون الانزلاق إلى حرب شاملة. الصبر الأمريكي هنا ليس خيارًا استراتيجيًا مريحًا، بل نتيجة انسداد البدائل.

سابعًا: وهم المقارنة بين العراق وإيران

المقارنة بين التجربتين تُخفي أكثر مما تُظهر. العراق لم يكن نموذجًا لنجاح القوة الأمريكية، بل بداية انكشاف حدودها. إيران ليست “الهدف التالي”، بل الحد الذي توقفت عنده القوة.

أمريكا لم تتراجع عن ضرب إيران لأنها ضعيفة،
بل لأنها أدركت أن القوة لا تعني دائمًا السيطرة،
وأن بعض الدول لا تُهزم بالضربة الأولى،
ولا تُدار بالسيناريوهات الجاهزة.

الخلاصة: حين تصطدم القوة بحدودها

صبرت الولايات المتحدة على إيران لأنها لم تجد طريقًا للحسم دون دفع ثمنٍ أكبر من العائد.
العراق كان مسرحًا لتجربة القوة.
إيران كانت مرآة حدودها.

ولهذا، بقي الصراع في المنطقة الرمادية:
لا حرب شاملة،
ولا سلام،
ولا نهاية واضحة.

وهنا تحديدًا، يتفكك وهم الإمبراطورية القادرة على إنهاء خصومها متى شاءت،
ويظهر واقع أكثر قسوة:
القوة حين تفقد القدرة على الحسم، تتحول إلى إدارة أزمات لا صناعة نهايات.

+
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.