
لم تعد المشكلة في كذب الخطاب وحده، بل في تحوّله إلى عالمٍ مستقلّ لا يعيش فيه أحد. ما يُقال في الإعلام والسياسة والاقتصاد يسير في مسار، وما يُعاش على الأرض يسير في مسارٍ معاكس. وبين المسارين تتسع فجوة الوعي؛ فجوة لا تُقاس بالمعلومات، بل بدرجة الانفصال بين اللغة والواقع، بين السردية والتجربة اليومية للإنسان.
أولًا: ما المقصود بفجوة الوعي؟
فجوة الوعي ليست جهلًا، وليست نقصًا في الأخبار أو التحليلات، بل هي انفصال إدراكي منظّم بين:
- ما يُقال رسميًا (سياسيًا، إعلاميًا، اقتصاديًا)
- وما يختبره الفرد في حياته الفعلية
هي حالة يصبح فيها الخطاب:
- متماسكًا لغويًا
- منطقيًا على الورق
- لكنه بلا أثر واقعي إيجابي
في هذه الحالة، لا يعود الخطاب أداة تفسير، بل أداة تعمية.
ثانيًا: كيف صُنعت هذه الفجوة؟
هذه الفجوة لم تنشأ صدفة، بل نتاج مسار طويل من إعادة هندسة الوعي العام.
1. تضخيم اللغة وإفراغ المعنى
تُستخدم مفاهيم كبرى مثل:
- الديمقراطية
- التنمية
- الاستقرار
- حقوق الإنسان
لكنها تُقدَّم كعناوين مجرّدة، لا كواقع ملموس.
تُكرَّر المفاهيم حتى تفقد قدرتها على إثارة الأسئلة، وتتحوّل إلى ديكور لغوي.
2. فصل النتائج عن السياسات
السياسات تُسوَّق بوصفها نجاحًا، بينما:
- الفقر يتوسع
- الطبقة الوسطى تتآكل
- الخدمات تتراجع
- الأمن الاجتماعي يضعف
لكن الإعلام يصرّ على الحديث عن “مؤشرات إيجابية”، فيخلق وعيًا منفصلًا عن النتيجة الفعلية.
ثالثًا: الإعلام بوصفه جدارًا لا نافذة
في السابق، كان يُفترض بالإعلام أن يكون نافذة على الواقع. اليوم، في كثير من الأحيان، أصبح:
- جدارًا يفصل الناس عن واقعهم
- يعيد صياغة الفشل على أنه “تحديات”
- ويقدّم الانهيار كـ“مرحلة انتقالية”
الإعلام لا يكذب دائمًا، لكنه:
- ينتقي
- يؤطر
- يعزل السياق
- ويمنع الربط بين السبب والنتيجة
وهنا تتسع فجوة الوعي لا بسبب غياب المعلومات، بل بسبب سوء تنظيمها عمدًا.
رابعًا: الاقتصاد كنموذج صارخ لفجوة الوعي
لا يوجد مجال تتجلى فيه فجوة الوعي مثل الاقتصاد.
يُقال:
- النمو يتحقق
- الأسواق تتعافى
- المؤشرات إيجابية
ويُعاش:
- غلاء معيشة
- تآكل الأجور
- ديون متزايدة
- انعدام أمان وظيفي
الخطاب الاقتصادي الحديث لا يهدف إلى شرح الواقع، بل إلى تهدئة الغضب، وتحويل المعاناة إلى أرقام مجردة لا يشعر بها أحد.
خامسًا: السياسة… حين تصبح بلا أثر
في السياسة، تتسع فجوة الوعي عندما:
- تُطرح مشاريع كبرى
- تُوقّع اتفاقيات تاريخية
- تُعلن تحالفات استراتيجية
لكن:
- حياة الناس لا تتغير
- الأمن لا يتحسن
- السيادة لا تُستعاد
- القرار لا يُستقل
في هذه الحالة، السياسة لا تُدار لتحقيق نتائج، بل للحفاظ على صورة الحركة دون تغيير فعلي.
سادسًا: أخطر ما في فجوة الوعي
الخطر الحقيقي لا يكمن في الكذب، بل في ما يلي:
1. تآكل الثقة الكاملة
حين يدرك الناس أن ما يُقال لا يشبه ما يُعاش، لا يعودون يثقون:
- بالخطاب
- ولا بالبدائل
- ولا حتى بالنقد نفسه
2. تحوّل اللامبالاة إلى موقف
الناس لا تثور دائمًا… أحيانًا تنسحب نفسيًا، وهذا أخطر.
3. قابلية عالية للتطرف أو الانفجار
حين يُغلق باب الفهم، يُفتح باب:
- الغضب غير العقلاني
- أو القبول بأي خطاب صادم
سابعًا: لماذا تُعد فجوة الوعي ضرورة للأنظمة؟
لأن تضييقها يعني:
- محاسبة حقيقية
- ربط الخطاب بالنتائج
- كشف التناقض بين الادعاء والواقع
أما توسيعها فيعني:
- إدارة الغضب
- إطالة عمر السرديات
- شراء الوقت في مرحلة انسداد تاريخي
الخلاصة: ما الذي يجب تفكيكه؟
المعركة اليوم ليست بين روايتين، بل بين:
- الواقع كما يُعاش
- والواقع كما يُروى
ومهمة التحليل ليست إضافة رواية ثالثة، بل:
- فضح الفجوة
- تسمية التناقض
- ربط الخطاب بنتائجه
الوعي الحقيقي لا يبدأ من السؤال: ماذا يقولون؟
بل من السؤال الأخطر: لماذا لا نشعر بما يقولون؟