تركيا والمضائق: حين تتحوّل الجغرافيا إلى قرار سياسي

ليس عبور السفن الروسية عبر المضائق التركية حدثًا تقنيًا عابرًا، ولا تفصيلًا تنظيميًا تحكمه بنود قانونية جامدة. ما جرى ويجري هو فعل سياسي بامتياز، تتداخل فيه الجغرافيا مع موازين القوة، وتتحول فيه المضائق من ممرات مائية إلى أدوات ضغط وإعادة تموضع. في عالم يتفكك فيه النظام الدولي القديم، لم تعد الدول المتوسطة تلعب دور الممرّ الصامت، بل باتت تعيد تعريف نفسها كعقدة لا يمكن تجاوزها دون ثمن.

المضائق: أكثر من ممر مائي

البوسفور والدردنيل ليسا مجرد خطّي وصل بين البحر الأسود والبحر المتوسط، بل نقطة اختناق استراتيجية تتحكم في حركة أساطيل، وتحدد سقف النفوذ البحري لقوى كبرى. منذ اتفاقية مونترو عام 1936، امتلكت تركيا سلطة تنظيم المرور، لكنها اليوم لا تكتفي بتطبيق النص، بل تفسّره سياسيًا وفق مصالحها.

التحكم بالمضائق يعني التحكم بإيقاع الصراع، لا بإدارته فقط. ومن هنا، يصبح كل عبور روسي إلى المتوسط إشارة سياسية، لا حركة لوجستية.

لماذا فتحت تركيا المعابر؟

الجواب السطحي يقول: التزام قانوني وانتقائية محسوبة.
لكن الجواب الحقيقي أعمق: تركيا اختارت ألا تكون طرفًا تابعًا في صراع لا يخدم مصالحها المباشرة.

أنقرة تدرك أن إغلاق المضائق بالكامل في وجه روسيا يعني:

  • تصعيدًا مباشرًا مع قوة نووية قريبة جغرافيًا.
  • خسارة دور الوسيط الذي راكمته خلال حرب أوكرانيا.
  • دفع موسكو لاستخدام أوراق مضادة في سوريا، القوقاز، والطاقة.

بالمقابل، الفتح غير المشروط مستحيل أيضًا. لذلك اختارت تركيا المنطقة الرمادية: لا إغلاق كامل، ولا فتح مجاني.

الحياد المصلحي كعقيدة سياسية

السياسة التركية في هذا الملف لا تنطلق من الحياد الأخلاقي، بل من الحياد الوظيفي. أي: البقاء خارج الاصطفاف الصلب، مع الاحتفاظ بقدرة التأثير على الطرفين.

هذا النهج يخدم عدة أهداف:

  • إبقاء روسيا محتاجة للبوابة التركية.
  • إبقاء الناتو مضطرًا للتعامل مع أنقرة لا تجاوزها.
  • تعزيز صورة تركيا كقوة إقليمية مستقلة لا كامتداد لوظيفة غربية.

وهنا تكمن المفارقة: تركيا لا تعارض النظام الدولي القائم، لكنها تتصرّف وكأنها لم تعد مقيّدة به بالكامل.

روسيا والبحر المتوسط: نفوذ تحت المراقبة

السماح بمرور روسي إلى المتوسط يعزز الوجود البحري لموسكو، خصوصًا في:

  • دعم القواعد السورية.
  • تأمين خطوط الإمداد.
  • الحفاظ على حضور طويل الأمد شرق المتوسط.

لكن هذا النفوذ ليس مطلقًا، بل مرهون بالمزاج السياسي التركي. أي أن روسيا تصل، لكنها تصل مشروطة، وتبقى تحت سقف يمكن خفضه أو رفعه.

وبذلك، تتحول تركيا من حارس بوابة إلى مدير إيقاع للنفوذ الروسي.

التأثير على السياسة العالمية

القرار التركي، بصيغته المرنة، يوجّه ثلاث رسائل كبرى:

  1. انتهاء زمن الاصطفاف الصلب
    العالم لم يعد منقسمًا إلى معسكرين متقابلين بحدود واضحة. هناك دول تلعب بين الخطوط، وتربح من التناقضات بدل الخضوع لها.

  2. عودة الجغرافيا إلى مركز السياسة
    في زمن العقوبات الرقمية والضغط المالي، أعادت تركيا التذكير بأن من يسيطر على الممرات يملك قدرة تعطيل أو تسهيل لا تعوضها أي بيانات إدانة.

  3. إرباك الهيمنة الغربية دون كسرها
    أنقرة لا تصطدم بالغرب، لكنها تفرض عليه التفاوض معها كفاعل لا كتابع. وهذا أخطر على الهيمنة من المواجهة المباشرة.

ما الذي لا تقوله الرواية السائدة؟

الإعلام الغربي يختزل المسألة في سؤال أخلاقي: لماذا لم تغلق تركيا المضائق؟
لكن السؤال الحقيقي هو: لماذا يُطلب من تركيا أن تدفع ثمن صراع لم تصنعه؟

القرار التركي يعكس وعيًا متقدمًا بحقيقة النظام الدولي:

  • القوى الكبرى تريد ولاءً بلا مقابل.
  • والدول المتوسطة إن لم تفاوض على موقعها، ستُستخدم ثم تُهمَّش.

خلاصة

فتح تركيا المعابر للروس ليس انحيازًا، بل إدارة باردة للقوة.
ليس تحديًا للناتو، بل إعادة تعريف للدور.
وليس دعمًا لروسيا، بل تذكيرًا بأن المرور ليس حقًا طبيعيًا بل امتيازًا سياسيًا.

في عالم يتآكل فيه النظام القديم، لم تعد المضائق مجرد مياه، بل لغة سياسية صامتة تقول ما لا تجرؤ البيانات الرسمية على قوله.

+
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.