التعليم كأداة دولة: بين التطويع الداخلي والتفوق الخارجي

لم يعد فشل أنظمة التعليم في إعداد الإنسان للحياة أو لسوق العمل لغزًا يحتاج إلى مزيد من الدراسات التربوية. الإشكال أعمق من المناهج، وأبعد من جودة التدريس. فحين يُهدَر العمر في مسارات طويلة لا تفضي إلى استقلال، وحين تُفصل الدراسة عن الإنتاج عمدًا، يصبح السؤال الحقيقي: هل صُمّم التعليم لخدمة الإنسان، أم لأداء وظيفة داخل منطق الدولة الحديثة؟ هذا المقال لا يناقش جودة التعليم، بل يكشف وظيفته السياسية والاقتصادية غير المعلنة.

أولًا: التعليم خارج الوهم التربوي

الخطاب السائد يفترض أن التعليم أداة تمكين، وأن أي خلل في مخرجاته هو نتيجة سوء إدارة أو تخلف مناهج. لكن هذه الفرضية تتجاهل سؤال الغاية. فأنظمة تعليم تستمر لعقود، وتُخرِج أفرادًا لا يستخدمون معظم ما تعلموه، لا يمكن تفسيرها بالفشل وحده. الأصح أنها أنظمة تؤدي دورًا آخر غير المعلن: إدارة الإنسان زمنيًا، لا تطويره معرفيًا.

ثانيًا: الجبر السياسي بصيغة ناعمة

في كثير من الدول، لا يُجبر الفرد على التعليم بالقوة، لكنه لا يُمنح بديلًا حقيقيًا خارجه. هذا الشكل من الإكراه لا يُمارَس عبر المنع، بل عبر غياب الخيارات.
إطالة المسار التعليمي تؤدي إلى:

  • تأجيل الاستقلال الاقتصادي،

  • تعليق الإنسان بين الطفولة والبلوغ الاجتماعي،

  • تحويل سنوات الشباب إلى مرحلة انتظار دائمة.

هنا يصبح التعليم أداة تطويع داخلي: مجتمع أقل توترًا، أقل مطالبة، وأكثر قابلية للإدارة.

ثالثًا: الإفقار الزمني بوصفه سياسة

الفقر لا يبدأ بالمال، بل بالوقت. حين يُستنزف عقدان من عمر الإنسان في مسارات غير إنتاجية، فإن رأس المال الشخصي لا يتأخر فقط، بل يُصادَر.
هذا الإفقار الزمني يتحول لاحقًا إلى:

  • ضعف تفاوضي في سوق العمل،

  • استعداد لقبول شروط أدنى،

  • خوف دائم من فقدان “الفرصة”.

ليس هذا عرضًا جانبيًا، بل نتيجة متوقعة لمنظومة تُراكم السيطرة عبر الزمن.

رابعًا: النموذج المقابل – الصين بوصفها حالة تحليلية

في المقابل، سلكت الصين مسارًا مختلفًا جذريًا. لم تفصل التعليم عن الإنتاج، ولم تجعل الدراسة مساحة انتظار، بل حمّلت الإنسان مبكرًا بدور اقتصادي مباشر.
الطفل هناك لا يُترك ليبحث عن ذاته، بل يُوجَّه قسرًا نحو المهارة والعمل والانضباط.

هذا النموذج:

  • ليس إنسانيًا بمعايير الفرد،

  • ولا أخلاقيًا بمعايير الراحة،

  • لكنه منسجم مع استراتيجية دولة ترى نفسها في صراع وجودي مع قوى مهيمنة.

خامسًا: الاستغلال… لكن بأهداف مختلفة

في النموذجين، الإنسان ليس غاية، بل وسيلة.
لكن الفارق الجوهري يكمن في الغرض:

  • في نموذج التعليم الطويل:

    • يُستغل الإنسان للتطويع الداخلي،

    • لإدارة الاستقرار،

    • ولخفض الكلفة السياسية.

  • في النموذج الصيني:

    • يُستغل الإنسان للتفوق الخارجي،

    • لتسريع التراكم الصناعي،

    • ولمنافسة النظام العالمي القائم.

الاستغلال هنا وهناك حقيقة، لكن السياسة التي توجهه مختلفة.

سادسًا: بين مجتمع خامد ومجتمع منهك

نتائج النموذجين تكشف المفارقة:

  • النموذج الأول يُنتج مجتمعًا هادئًا، متعلمًا شكليًا، لكنه ضعيف الفاعلية.

  • النموذج الثاني يُنتج مجتمعًا قاسيًا على أفراده، لكنه فاعل ومؤثر عالميًا.

لا أحد من النموذجين يضع الإنسان في المركز، لكن أحدهما يراكم قوة، والآخر يراكم انتظارًا.

سابعًا: لماذا لا يُناقش هذا المستوى من التحليل؟

لأن هذا الطرح يحرج الجميع:

  • يُسقط قدسية “إصلاح التعليم” كحل سحري،

  • يكشف أن الدولة ليست محايدة في تصميم المعرفة،

  • ويُظهر أن الإنسان ليس سوى متغير في معادلة السلطة.

ولهذا يُفضَّل الحديث عن المناهج، لا عن الغايات.

خاتمة

ليست المشكلة في طول التعليم أو قسوته، بل في كونه يُدار دائمًا من خارج الإنسان. ففي دولة يُستغل الإنسان ليُروَّض، وفي أخرى يُستغل ليُنافس، يظل السؤال المؤجل هو ذاته: أين يقف الإنسان حين لا يكون الاستقرار الداخلي هو الغاية، ولا التفوق الخارجي هو المبرر؟
ما لم يُطرح هذا السؤال بوضوح، سيبقى التعليم أداة دولة… لا مشروع إنسان.

+
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.