لم تعد «حقوق الإنسان» في النظام الدولي المعاصر معيارًا أخلاقيًا كونيًا بقدر ما أصبحت خطابًا سياسيًا انتقائيًا، يُرفع في مواضع ويُخفَّض في أخرى، تبعًا لموازين القوة لا لثقل المعاناة. فبينما تُستحضر الحقوق كذريعة أخلاقية ضد خصوم بعينهم، تُهمَّش أو تُلطَّف حين يكون الضحية خارج الحسابات الجيوسياسية. هذا المقال لا ينفي الانتهاكات، بل يفكك كيفية إدارتها سرديًا، ومن يُسمَح له بأن يكون ضحية «مرئية»، ومن يُترك في الظل.
أولًا: الإطار البنيوي لخطاب حقوق الإنسان
تشكّل خطاب حقوق الإنسان في صورته الحديثة بعد الحرب العالمية الثانية، ضمن نظام دولي تقوده القوى المنتصرة. ومنذ ذلك الحين، لم يعمل هذا الخطاب في فراغ أخلاقي، بل داخل بنية قوة تحدد:
- ما الذي يُعد انتهاكًا «جسيمًا»
- متى يُستخدم توصيف «جرائم ضد الإنسانية»
- ومن يمتلك حق تعريف المعايير وتطبيقها
بذلك، لم تكن المشكلة يومًا في وجود قيم حقوقية، بل في احتكار تفسيرها وتفعيلها ضمن نظام غير متكافئ.
ثانيًا: ميانمار – الضحية التي لا تُزعج أحدًا
في ميانمار، تعرّض مسلمو الروهينغيا لواحد من أوضح أشكال التطهير العرقي المعاصر: قتل جماعي، تهجير قسري، تدمير قرى، وتجريد من الجنسية. ومع ذلك، بقي الملف في حدوده الرمزية:
- إدانات لفظية بلا تبعات
- تقارير بلا آليات تنفيذ
- تعاطف لا يترجم إلى ضغط حقيقي
السبب ليس غموض الجريمة، بل غياب الكلفة السياسية للدفاع عن الضحية. فالروهينغيا أقلية بلا دولة، وبلا وزن اقتصادي أو استراتيجي، ما يجعل نصرتهم أخلاقيًا ممكنة، لكنها سياسيًا غير ضرورية.
ثالثًا: الهند – حين تحمي الديمقراطية الشكلية الانتهاك
في الهند، تُمارَس سياسات تمييزية ممنهجة ضد المسلمين تحت غطاء قانوني وشعبي: قوانين مواطنة إقصائية، عنف جماعي، هدم دور عبادة، وخطاب كراهية يتسلل من الهامش إلى المركز. ومع ذلك، يبقى الخطاب الحقوقي الدولي مترددًا، لغته مخففة، وتوصيفاته حذرة.
الهند ليست دولة هامشية؛ إنها حليف استراتيجي، وسوق ضخم، وركيزة في توازنات احتواء الصين. لذلك، تتحول «الديمقراطية» إلى درع أخلاقي يمنحها حصانة غير معلنة، ويحوّل الانتهاكات من قضية بنيوية إلى «حوادث متفرقة».
رابعًا: أفغانستان – حقوق الإنسان كسلاح حصار
في الحالة الأفغانية، يتخذ التناقض شكلًا أكثر قسوة. فبعد الانسحاب الغربي، رُفع خطاب حقوق الإنسان – خصوصًا حقوق المرأة – ليبرر:
- تجميد الأصول
- فرض العقوبات
- خنق الاقتصاد
في المقابل، جرى تجاهل النتائج الواقعية: تجويع جماعي، انهيار صحي، وموت بطيء للفئات الأضعف. هنا لا تُستخدم الحقوق لحماية الإنسان، بل للضغط عليه، وتتحول القيم إلى أداة عقابية تطال المجتمع لا السلطة.
خامسًا: الصين والإيغور – التسييس فوق واقع قائم
في شينجيانغ، لا يمكن إنكار وجود سياسات قمعية بحق الإيغور، تشمل الاعتقال الإداري، المراقبة الشاملة، ومحاولات إعادة هندسة الهوية الثقافية. لكن طريقة تناول الملف تكشف منطق الانتقائية:
- تضخيم لغوي يخدم الصراع مع بكين
- توظيف الملف ضمن استراتيجية الاحتواء
- إغفال حالات مشابهة لدى حلفاء
النتيجة ليست اختلاق الانتهاك، بل تحميله وظيفة جيوسياسية تتجاوز حماية الضحية.
سادسًا: القاعدة غير المكتوبة للخطاب الحقوقي
من خلال هذه النماذج، تتضح قاعدة عمل غير معلنة:
- ضحية في دولة خصم: تصعيد أخلاقي وإعلامي
- ضحية في دولة حليف: تلطيف وصمت
- ضحية بلا وزن: إهمال
بهذا المعنى، لا يُقاس حجم الغضب الحقوقي بعمق الجريمة، بل بموقعها في خريطة التحالفات.
خاتمة: تحرير الضحية من وصاية الخطاب
المطلوب ليس إسقاط خطاب حقوق الإنسان، بل تحريره من وصاية القوة. فحين تتحول القيم إلى أدوات، تفقد معناها، وتصبح الضحية مجرد تفصيل في لعبة أكبر. القراءة النقدية لا تعني الإنكار، بل تعني استعادة البوصلة: تفكيك السرديات، مقارنة الصمت بالضجيج، وسؤال دائم عمّن يحدد من يستحق التعاطف ومن يُترك خارج الضوء.
في عالم تحكمه المصالح، لا تُنقذ الضحايا بالشعارات، بل بكشف انتقائية من يرفعونها.