لم يكن الدعاء للحاكم في الخطب الدينية فعلًا تعبديًا خالصًا نشأ من رحم النص، بل ممارسة تشكّلت في لحظة سياسية مضطربة، ثم جرى تطبيعها دينيًا عبر القرون. ما يبدو اليوم طقسًا مألوفًا يخفي خلفه تاريخًا من الصراع على الشرعية، وتوظيف المنبر بوصفه أداة لصناعة الطاعة. هذا المقال لا يسأل: هل الدعاء جائز؟ بل يسأل السؤال الأعمق: كيف ولماذا صار واجبًا غير معلن؟
أولًا: المنبر قبل الدولة – غياب الدعاء بوصفه تقليدًا
في العهد النبوي والخلافة الراشدة، لم يكن المنبر منصة ولاء، بل مساحة وعظ وتشريع وتقويم. خطبة الجمعة لم تُبنَ لتثبيت حاكم، لأن الشرعية آنذاك كانت تقوم على البيعة والرقابة المباشرة، لا على الرمزيات. لم يُنقل عن النبي ﷺ تخصيص دعاء لنفسه في الخطبة، ولا عن الخلفاء الراشدين تحويل المنبر إلى طقس اعتراف سياسي. هذا الغياب ليس تفصيلًا عابرًا؛ بل مؤشر على أن الدعاء للحاكم لم يكن جزءًا من البنية الدينية الأصلية.
ثانيًا: الدولة الأموية – حين دخلت السياسة إلى الخطبة
مع الفتنة الكبرى وانقسام الجماعة، واجهت السلطة الجديدة أزمة شرعية حادة. هنا تغيّر المنبر من أداة تذكير أخلاقي إلى وسيلة إعلام سلطوية. في العصر الأموي بدأ إدخال الدعاء للخليفة في الخطبة، لا بوصفه عبادة، بل كإعلان ولاء أسبوعي جماهيري. ذكر اسم الحاكم صار علامة الاعتراف به، وإسقاطه صار قرينة تمرّد. في بعض المراحل، لم يقتصر الأمر على الدعاء، بل تعدّاه إلى الدعاء على الخصوم، ما يكشف بوضوح الوظيفة السياسية للخطبة.
ثالثًا: العباسيون وتكريس الطقس – الشرعية بالاسم
في العصر العباسي ترسّخ التقليد وتحول إلى قاعدة عرفية. أصبح ذكر اسم الخليفة في الخطبة إجراءً سياديًا، تُقاس به السيطرة على الأمصار. أول ما تفعله أي سلطة جديدة هو تغيير الاسم في المنابر. هكذا لم يعد الدعاء مجرد كلمات، بل وثيقة سيادة شفوية تُجدد كل أسبوع. ومن هنا انتقل الدعاء من كونه إجراءً ظرفيًا إلى طقس مؤسسي يصعب المساس به دون تبعات سياسية.
رابعًا: الفقه في مواجهة الواقع – من النص إلى التكييف
لا يوجد نص قرآني أو نبوي يفرض الدعاء للحاكم في الخطبة. ما حدث هو تكييف فقهي لاحق لواقع مفروض. لجأ بعض الفقهاء إلى مقولات مثل: جلب المصلحة، سد الذرائع، درء الفتنة. هذه ليست تشريعات، بل تبريرات واقعية تحت ضغط السلطة. الفارق جوهري: ما فُرض سياسيًا جرى تبريره فقهيًا، ثم قُدِّم لاحقًا على أنه من السنن. ومع الزمن ذابت الحدود بين الدعاء بالصلاح والدعاء بالتمكين، وتحول النقد إلى خروج، والصمت إلى حكمة.
خامسًا: الاعتراف الجبري – الخطيب بين القناعة والوظيفة
في معظم السياقات التاريخية، لم يكن الخطيب فاعلًا حرًا. المنبر مرتبط بالمؤسسة، والمؤسسة مرتبطة بالسلطة. الامتناع عن الدعاء قد يعني العزل أو الاتهام أو السجن. لذلك أدّى كثير من الخطباء هذا الطقس بوصفه إجراءً إلزاميًا لا موقفًا عقديًا. هنا يصبح الدعاء علامة خضوع إداري قبل أن يكون قربة دينية.
سادسًا: الوظيفة الأعمق – هندسة الطاعة في الوعي
الأخطر من الإكراه هو التوظيف الرمزي. حين يُدرج الدعاء للحاكم داخل عبادة جماعية، يختلط السياسي بالديني. يتحول الحاكم من شخص يُسأل عن عدله إلى موضوع يُسأل الله لأجله. هذا التحول يعيد تعريف العلاقة: الطاعة تُقدَّم كدين، والمساءلة تُقدَّم كفتنة. هكذا تُعاد هندسة الوعي الجمعي دون خطاب مباشر، بل عبر طقس هادئ ومتكرر.
سابعًا: لماذا استمر التقليد حتى اليوم؟
استمر الدعاء للحاكم لأن تفكيكه يقتضي شجاعة فكرية ومؤسسية:
موروث سلطاني متراكم قُدِّم بوصفه دينًا.
مؤسسة دينية حذِرة تفضّل السلامة على المواجهة.
سلطة مرتاحة لطقس رمزي يمنحها شرعية بلا تكلفة إصلاح.
في هذا السياق، يصبح الطقس بديلاً عن السياسة، والرمز بديلاً عن العدل.
ثامنًا: بين الدعاء للأمة والدعاء للحاكم
الفارق هنا كاشف. الدعاء للأمة دعاء بالقيم: العدل، الرشد، رفع الظلم. أما الدعاء للحاكم حين ينفصل عن هذه القيم، فيتحول إلى تزكية سياسية. الدين، في وظيفته الأصلية، يُقوّم السلطة ولا يُزيّنها، يحدّها ولا يُطلقها. وحين يعكس المنبر هذا الدور، يفقد جزءًا من رسالته.
خاتمة
الدعاء للحاكم في الخطب ليس بدعة لغوية ولا مسألة فقهية بسيطة، بل ممارسة سياسية قديمة جرى تدجينها دينيًا. نشأ في لحظة أزمة، وتحوّل إلى طقس، ثم قُدِّس بالعُرف. إعادة التفكير فيه ليست دعوة للفوضى، بل محاولة لإعادة الدين إلى مكانه الطبيعي: ميزانًا للعدل لا ختمًا للشرعية. فالحاكم لا يحتاج إلى دعاءٍ على المنبر بقدر ما يحتاج إلى عدلٍ على الأرض.