العنف الأمريكي المعاصر: حين يتآكل النظام من الداخل دون أن يسقط

ما تشهده الولايات المتحدة اليوم من عنف متكرر وصدامات مستمرة ليس مجرد أزمة عابرة، بل إعلان عن تحول العنف إلى حالة اعتيادية داخل بنية الدولة. الأخطر ليس في المشاهد المشتعلة، بل في إصرار السلطة على إنكار الطابع البنيوي لما يحدث. نحن أمام مجتمع لا يثور ولا يستقر، بل يتآكل ببطء داخل نظام يفقد مضمونه الاجتماعي وقدرته على الإقناع، ليصبح أكثر شبهاً بـ"جهاز إدارة أزمات" منه إلى "دولة نموذج".

أولاً: من الدولة النموذج إلى الدولة المُنهكة

النموذج الأمريكي ارتكز تاريخياً على شرطين أساسيين:

  1. وفرة اقتصادية تضمن السلم الاجتماعي.

  2. خطاب أخلاقي يمنح السلطة شرعيتها.

اليوم، هذان الشرطان يتآكلان. الدولة لم تعد قادرة على ضمان العدالة الاقتصادية في ظل فجوة طبقية هائلة، والنتيجة ليست مجرد تمرد منظّم، بل انسحاب نفسي من فكرة العقد الاجتماعي الموحد، وفقدان الثقة بالقدرة المؤسساتية.

ثانياً: العنف ليس استثناءً… بل فقدان للوسائط

العنف يُقدَّم في الخطاب الرسمي كحوادث فردية، لكن تكراره يكشف عن تعطل الوسائط التقليدية للتواصل بين الدولة والمجتمع:

  • فشل السياسة في تمثيل الغضب الشعبي.

  • فشل القضاء في استعادة الثقة الجمعية.

  • فشل الإعلام في تقديم سردية جامعة تصدقها كل الأطراف.

حين تُغلق هذه القنوات، يتحول الجسد في الشارع إلى أداة التعبير الوحيدة. العنف هنا هو "لغة من لا يملك لغة" داخل النظام.

ثالثاً: العنف الأفقي واستقطاب الهويات

لم يعد العنف مقتصرًا على صدام المواطن مع الدولة. أخطر أشكاله اليوم هو العنف الأفقي، أي صدام المجتمع مع نفسه. أصبح الاستقطاب السياسي صراع هويات وجودي: عرق، ثقافة، وانتماءات راديكالية.
الخلاف لم يعد على السياسات، بل على سؤال "من هو الأمريكي؟". هذا التشظي جعل العنف أداة في يد الجماعات ضد بعضها البعض، مما يمنح الدولة مبرراً لزيادة القبضة الأمنية بحجة منع الانزلاق إلى حرب أهلية.

رابعاً: خوارزميات الغضب… العنف في عصر الرقمنة

الرقمنة لم تعد مجرد وسيلة للتواصل، بل أصبحت عامل تفتيت للبنية الاجتماعية. خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي خلقت غرف صدى عزلت المكونات المجتمعية عن بعضها، وصنعت انفعالات فورية وحادة.
هكذا تحول الغضب من طاقة محتملة للتغيير السياسي إلى استعراض رقمي للكراهية والانقسام. وبشكل واضح، تساهم التكنولوجيا في تصليب المواقف المتطرفة وتعقيد الوصول إلى حلول وسط.

خامساً: لماذا الشرطة في قلب الصدام؟

في المجتمعات المتآكلة، تتحول الشرطة من أداة لتطبيق القانون إلى واجهة مرئية لسلطة غير مرئية. يُستهدف الأمن ليس لأنه أصل المشكلة، بل لأنه الذراع الذي يواجه المهمشين يومياً.
حين تفقد الدولة قدرتها على الإقناع الأخلاقي، لا يتبقى لها إلا الردع المادي، وهنا تصبح الشرطة الخط الأول في معركة الشرعية المفقودة.

سادساً: إدارة صورة لا إدارة أزمة

إنكار الدولة للطابع البنيوي للأزمة خيار سياسي متعمد. الاعتراف يعني الإقرار بأن النموذج الأمريكي لم يعد قابلاً للتصدير، وأن العقد الاجتماعي قد تمزق فعلياً. لذلك، تُدار الأزمات كمسألة "علاقات عامة": تصريحات مطمئنة، تحميل المسؤولية لأفراد معزولين، وتفادي أي تشخيص جذري يعالج المرض بدل الأعراض.

سابعاً: احتجاج بلا مشروع.. وغضب بلا أفق

موجات الغضب اليوم لا تتحول إلى حركة تغيير حقيقية. السبب هو تفكك البنية الاجتماعية: لا قيادة جامعة، ولا أيديولوجيا بديلة، ولا تصور بديل للمستقبل.
المظاهرات تعبر عن رفض لا عن تصور، مما يدخل المجتمع في دورة مفرغة: غضب → صدام → إنهاك → صمت مؤقت → انتظار الانفجار القادم.

الخلاصة: دولة قادرة على القمع… عاجزة عن الإقناع

الولايات المتحدة لا تزال تملك القوة الأمنية والتفوق التقني، لكنها تفقد تدريجياً الثقة والشرعية. الخطر الحقيقي ليس سقوط الدولة الوشيك، بل تحولها إلى جهاز إداري أمني بارد يواجه مواطناً غاضباً ومحبطاً.
العنف اليوم ليس "بداية النهاية"، بل علامة على أن الماكينة تعمل بلا روح، وأن ما يتكسر في البنية العميقة للمجتمع قد لا يمكن إصلاحه بالوسائل الأمنية وحدها.

+
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.