
في زمنٍ يُفرض فيه الخطاب وتُدار فيه المشاعر، تتحوّل الوطنية والحرية من قيم أخلاقية حية إلى رموز مستهلكة. لم تعد الوطنية علاقة نقدية بالمصلحة العامة، ولا الحرية ممارسة فعلية للاختيار، بل صارتا انفعالات مُبرمجة تُستدعى عند الحاجة. ما يُقدَّم بوصفه شعورًا ذاتيًا أو موقفًا أخلاقيًا، هو في جوهره استجابة منضبطة لسياق صُمّم مسبقًا، لا تعبيرًا عن وعي مستقل.
الوطنية كدور مُعدّ سلفًا
في الواقع المعاصر، لا تُقاس الوطنية بعمق الفهم أو بجرأة السؤال، بل بمدى الانسجام مع السردية السائدة. غضب مُنظَّم، تصفيق بقرار، أو صمت محسوب؛ جميعها أنماط سلوك تُكافأ اجتماعيًا وتُضبط سياسيًا. المواطن هنا لا يختار موقعه، بل يُوضع فيه، ويُطالَب بأداء دور محفوظ بعناية. المشهد أقرب إلى خشبة مسرح: الممثل ظاهر، لكن النص والحركة والإيقاع تُدار من خلف الستار.
الحرية كإحساس نفسي لا كفعل
أما الحرية، فتغدو إيهامًا متقن الصنع. يشعر الفرد بالاستقلال، بينما الفعل الحقيقي محاصر داخل حدود مرسومة. كل خيار يبدو حرًا في ظاهره، لكنه لا يخرج عن إطار مُسبق القبول. كأنك تختار طريقك في مدينة صُممت هندستها بحيث تقود جميع المسارات إلى الوجهة نفسها. إحساسك بالاختيار حقيقي نفسيًا، لكنه لا يغيّر من الطبيعة الجبرية للنظام شيئًا.
استنزاف المعنى وتدجين الوعي
الوطنية والحرية هنا ليستا غائبتين، بل مستنزفتين من الداخل. لا تُلغى القيم الكبرى، بل تُستبدل بنسخ مشوّهة تخفي الفجوة بين الكلمة والممارسة. تتحول الوطنية إلى اختبار ولاء للسرديات، وتتحول الحرية إلى مساحة استهلاك أو شعور داخلي بعدم القيد، بينما الفعل الفعلي محكوم بمسطرة ثقافية وسياسية صارمة.
في المجال العام، يبدو النقاش حرًا، لكن بدائله محصورة ضمن «المقبول» الذي لا يمس قواعد اللعبة. يُمنح الفرد وهم المشاركة، لا سلطة التأثير. وهكذا، كلما تضخمت الشعارات، تقلّص المعنى، وتحولت القيم من أدوات للفعل المستقل إلى أدوات ضبط داخلي للوعي والسلوك.
ما بعد الجبر: نحو وطنية نقدية
لكن هل هذا الجبر مطلق؟ الإدراك ذاته هو أول شرخ في بنيته. فالقدرة على رؤية الوهم، لا العيش داخله، تمثل بداية الفعل. الوطنية الحقيقية لا تتجلى في الامتثال، بل في القلق النبيل على مصير الوطن، وفي الاستعداد للمساءلة حين ينحرف المسار. هي ليست هتافًا جماعيًا، بل موقفًا أخلاقيًا قد يكون مكلفًا.
أما الحرية، فليست منحة تُنتظر من النظام، بل فعل انتزاع يومي لمساحات الوعي من براثن البرمجة الجمعية. تُمارَس في الهوامش التي لا تلتقطها كاميرات الخطاب، وفي لحظات الشك التي تُقاوم طمأنينة القطيع.
الخاتمة: مسؤولية الفرد المستيقظ
المعركة الحقيقية اليوم ليست في استعادة المصطلحات من أفواه الخطباء، بل في تحرير الوعي من راحة التبعية. فإذا تحولت الوطنية والحرية إلى طقوس تُؤدّى لتجنّب القلق، يبقى الرهان معقودًا على الفرد المستيقظ؛ ذاك الذي يرفض أن يكون مجرد صدى.
الحرية لا تولد في المساحات المسموح بها أو في الخيارات المرسومة سلفًا، بل في اللحظة التي يقرر فيها الإنسان استعادة حقه في السؤال والشك. والوطنية ليست حظيرة للانتماء السلبي، بل التزام أخلاقي يرفض الزيف ولو كان مريحًا. في النهاية، لسنا مجرد ممثلين على خشبة مسرح محكم؛ نحن من يملك حق كشف الستار، وتمزيق النص الجاهز، وكتابة تاريخه بالفعل الصادق، لا بالامتثال الأعمى.