فيتنام: عندما تتحول الجغرافيا من نعمة إلى عبء

يُفترض في المنطق السائد أن الموقع الاستراتيجي بوابة تلقائية للثراء والنفوذ، لكن التجربة الفيتنامية تقف كاعتراض صلب على هذا التبسيط. فدولة تمتد على واحد من أهم الشواطئ في آسيا، وتطل على بحر يُعد شريانًا للتجارة العالمية، ظلت لعقود طويلة خارج نادي الازدهار. هنا لا نبحث عن الفقر كرقم، بل عن أسبابه البنيوية، وعن الكيفية التي يمكن أن تنقلب بها الجغرافيا من فرصة إلى عبء تاريخي.

الموقع لا يُنتج الثروة… بل يفتح الصراع

تقع فيتنام على بحر الصين الجنوبي، أحد أكثر المسطحات المائية توترًا في العالم. هذا البحر ليس مجرد ممر تجاري، بل مساحة صراع مفتوح بين قوى كبرى: الولايات المتحدة، الصين، وحلفائهما الإقليميين.
في هذا السياق، لم يكن الموقع الفيتنامي رصيدًا اقتصاديًا بقدر ما كان بوابة استدراج للتدخل والضغط.

الجغرافيا هنا لم تعمل كرافعة تنمية، بل كعامل جذب للصراع، ما حوّل الساحل من فرصة للتجارة الحرة إلى هامش أمني حساس، تُدار حوله الحسابات العسكرية قبل الاقتصادية.

قرن من الحروب: حين يُستهلك الزمن بدل أن يُستثمر

لا يمكن فهم الحالة الفيتنامية دون استحضار عامل الزمن المهدور.
في حين استثمرت دول أخرى القرن العشرين في:

  • بناء الصناعة
  • تطوير التعليم
  • تراكم رأس المال

كانت فيتنام تعيش:

  • استعمارًا فرنسيًا طويلًا
  • حربًا يابانية
  • ثم حربًا مدمرة مع الولايات المتحدة
  • ثم حصارًا سياسيًا واقتصاديًا بعد الانتصار العسكري

النتيجة لم تكن فقط دمار بنية تحتية، بل تدمير دورة التراكم نفسها.
الدول لا تنهض فقط بالموارد، بل بالاستمرارية، وفيتنام فقدت هذه الاستمرارية لعقود.

الجغرافيا كعبء أمني لا كفرصة اقتصادية

في الأدبيات التنموية يُحتفى بالدول الساحلية، لكن هذا الاحتفاء يفترض بيئة دولية مستقرة.
في حالة فيتنام، كان الساحل:

  • خط تماس مع القوى الكبرى
  • مجال مراقبة وتهديد
  • عنصر ضغط دائم على القرار السيادي

أي أن الدولة اضطرت إلى عسكرة جزء من مواردها وطاقتها بدل توجيهها للتنمية.
وهنا تظهر المفارقة: الموقع المهم في نظام عالمي عدواني قد يُفقِر أكثر مما يُغني.

النموذج الاقتصادي: الانغلاق كاستجابة لا كخيار حر

بعد الحرب، اختارت فيتنام نموذجًا اشتراكيًا مركزيًا صارمًا.
هذا الخيار لم يكن نتاج رفاه فكري، بل استجابة لدولة خارجة من حرب وجودية، محاصَرة، ومحرومة من الوصول للأسواق والتمويل.

لكن النتائج كانت واضحة:

  • بطء في النمو
  • ضعف في الابتكار
  • عزلة عن سلاسل القيمة العالمية

لم تبدأ فيتنام كسر هذا القيد إلا مع إصلاحات Đổi Mới في أواخر الثمانينات، أي بعد أن كانت دول الجوار قد سبقتها بعقود في التصنيع والتجارة.

مقارنة كاشفة: فيتنام وسنغافورة

لفهم المسألة بعمق، تكفي مقارنة واحدة:

  • سنغافورة:
    موقع استراتيجي + استقرار سياسي + انفتاح اقتصادي + دولة مؤسسات
    = مركز مالي وتجاري عالمي

  • فيتنام:
    موقع استراتيجي + حروب متتالية + حصار + دولة مُنهكة
    = فقر نسبي وتأخر تنموي

الموقع متشابه، لكن الدولة والظرف التاريخي مختلفان.
وهنا يسقط الوهم القائل إن الجغرافيا تصنع المصير وحدها.

هل ما زالت فيتنام فقيرة؟

الحديث عن فيتنام اليوم بصيغة “الدولة الفقيرة” لم يعد دقيقًا.
فيتنام:

  • حققت معدلات نمو مرتفعة
  • تحولت إلى مركز تصنيع عالمي
  • أصبحت بديلًا جزئيًا للصين في سلاسل الإمداد

لكن في المقابل:

  • الدخل الفردي ما زال منخفضًا
  • الثروة لم تتراكم بعد
  • الفجوة الاجتماعية قائمة

هي دولة صاعدة ببطء، لا فاشلة، لكنها ما زالت تدفع فاتورة تاريخ طويل من الاستنزاف.

الخلاصة: لعنة الموقع في عالم غير عادل

التجربة الفيتنامية تكشف حقيقة غالبًا ما يُغفل عنها:

الموقع الاستراتيجي ليس نعمة مطلقة،
بل قد يتحول إلى لعنة
إذا وُضع في نظام عالمي يقوم على الهيمنة لا على الشراكة.

فيتنام لم تفشل لأنها لم تستغل موقعها،
بل لأنها وُضعت طويلًا في موقع يُراد له أن يكون ساحة صراع لا مركز ازدهار.

وهذا درس يتجاوز فيتنام،
ويمسّ معظم دول العالم الثالث التي اكتشفت متأخرة
أن الجغرافيا، حين لا تُسند بدولة قوية وسيادة حقيقية،
تصبح عبئًا تاريخيًا لا رصيدًا استراتيجيًا.

+
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.