التحليل المسموح والتحليل المحرّم: حدود التفكير داخل الإعلام السائد

ليس كل تحليل مرحّبًا به، حتى في أكثر البيئات ادعاءً للانفتاح.
هناك تحليل يُستدعى، ويُعاد تدويره، ويُكافأ.
وهناك تحليل آخر لا يُناقش أصلًا، لأنه يقترب أكثر مما ينبغي من بنية السلطة لا من مظاهرها.
الفارق بين الاثنين لا يتعلق بالدقة أو العمق، بل بمستوى الإزعاج الذي يسببه للسردية القائمة.

التحليل الذي لا يكلّف شيئًا 

التحليل المسموح هو ذاك الذي:

  • يفسّر الفشل بسوء إدارة
  • يربط الأزمات بأشخاص
  • ينتقد النتائج دون المساس بالنظام

هذا النوع من التحليل مفيد للمنظومة؛
يفرغ الغضب، ويعطي انطباعًا بالحيوية النقدية، دون أن يفتح أي باب فعلي للتغيير.

هو نقد يدور داخل السقف، لا يلمسه.

حيث يبدأ التحريم الحقيقي

التحليل غير المرغوب هو ذاك الذي:

  • يربط الاقتصاد بالسلطة
  • يرى الأزمات كبنية متكررة لا كأخطاء
  • يشكك في المسلّمات الكبرى: النمو، السوق، الاستقرار

هذا التحليل لا يُهاجم بالحجج غالبًا، بل:

  • يُوصم
  • يُشيطن
  • يُقصى بهدوء

ليس لأنه خاطئ، بل لأنه يغيّر زاوية الرؤية.

آليات الإقصاء الناعمة

لا حاجة للمنع المباشر أو الرقابة الصارخة.
يكفي:

  • تقليل المنصات
  • تجاهل الطرح
  • ربطه بالتطرف أو عدم الواقعية
  • التشكيك في النوايا بدل مناقشة الفكرة

وهكذا تبقى الساحة “مفتوحة”، لكن التفكير الجذري غائب.

لماذا تخاف المنظومة من التحليل البنيوي؟

لأن التحليل البنيوي:

  • ينقل المسؤولية من الفرد إلى النظام
  • يكشف أن الأزمات ليست استثناءً بل نتيجة
  • يهدد شرعية المسلّمات

وما يُخيف السلطة ليس الغضب، بل الفهم.
الغضب يمكن امتصاصه، أما الفهم فيصعب احتواؤه.

خاتمة

حرية التحليل لا تُقاس بعدد الأصوات، بل بنطاق الأسئلة المسموح بطرحها.
وحين يُسمح لك بتحليل كل شيء إلا الجذور، نكون أمام حرية شكلية تخدم الاستقرار لا الحقيقة.
التحليل المحرّم ليس خطيرًا لأنه متطرف، بل لأنه يفتح نافذة خارج الجدار.

+
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.