قضية إبستين: حين لا يكون الكشف فضيحة… بل أداة سلطة

لم تكن قضية جيفري إبستين مجرّد فضيحة أخلاقية عابرة، ولا انكشافًا عرضيًا لشبكة منحرفة. ما جرى، منذ اللحظة الأولى، يوحي بأننا أمام ملف أُخرج إلى العلن بقرار، وأُغلق بقرار، وأُدير بينهما بوعي كامل بوظائفه السياسية. في هذا النوع من القضايا، السؤال ليس: ماذا حدث؟ بل: لماذا سُمح لنا أن نرى هذا تحديدًا، وفي هذا التوقيت؟

إبستين: الفرد الذي لا يفسّر الظاهرة

الرواية الإعلامية تصرّ على تقديم إبستين كمنحرف ثري نجح وحده في اختراق أعلى دوائر السلطة. غير أن هذا التصوير ينهار أمام أبسط تحليل واقعي:

  • رجل بلا مسار اقتصادي مفهوم.
  • نفاذ مباشر إلى رؤساء دول، وأمراء، ومليارديرات.
  • حماية قضائية متكررة، وصفقات تسوية غير منطقية.
  • قدرة على العمل لعقود دون كسر حقيقي للحصانة.

هذه ليست خصائص “مجرم فردي”، بل واجهة تشغيل داخل شبكة أوسع. إبستين لم يكن مركز المنظومة، بل عقدة فيها.

الفضيحة كأداة اختراق لا كحادث أخلاقي

في عالم السلطة، الفضائح الجنسية ليست مجرد انحرافات، بل أدوات:

  • الاستدراج.
  • التوثيق.
  • التخزين.
  • ثم التوظيف عند الحاجة.

الابتزاز هنا ليس دائمًا مباشرًا أو فظًا، بل غالبًا ناعمًا، صامتًا، قائمًا على التلويح لا الاستخدام. السيطرة لا تحتاج إلى فضح علني؛ يكفي أن يعرف الطرف أنه قابل للفضح.

من هذا المنظور، تصبح شبكة إبستين أداة لا غاية، ووظيفتها ليست المتعة أو الجريمة بحد ذاتها، بل إدارة النفوذ داخل النخب.

لماذا لم يُخفَ الملف بالكامل؟

لو كان الهدف مجرد الحماية، لكان من الأسهل دفن القضية منذ بدايتها. لكن ما حدث هو العكس:
القضية أُخرجت للعلن، ولكن:

  • دون ملفات كاملة.
  • دون شهادات حاسمة.
  • دون مسار قضائي شفاف.
  • ودون محاسبة فعلية.

هذا النمط لا يشير إلى فشل، بل إلى إظهار مُدار.
ففي أحيان كثيرة، يكون الكشف الجزئي أكثر أمانًا من الإخفاء التام، لأنه:

  • يفرغ الغضب.
  • يخلق وهم الشفافية.
  • ويمنح السلطة قدرة على التحكم بالتأويل.

الإظهار المرحلي: هندسة الانتباه

قضية إبستين لم تظهر دفعة واحدة، بل عبر مراحل محسوبة:

  1. صدمة أخلاقية تشد الانتباه.
  2. ضجيج إعلامي بلا مسارات حسم.
  3. تسييس وتشكيك يبددان اليقين.
  4. موت إبستين كنقطة قطع حاسمة.
  5. استمرار الجدل بلا نتائج حتى إنهاك الذاكرة العامة.

كل مرحلة أدت وظيفة محددة في تفريغ الشحنة، لا في كشف الحقيقة.

الموت: ليس سؤال “كيف”، بل “لماذا الآن”

الجدل حول انتحار إبستين – الحبال والكاميرات والحراس – خدم تشتيت النقاش عن جوهر المسألة.
الأهم ليس آلية الموت، بل توقيته ووظيفته.

إبستين حيًّا كان:

  • خطرًا كشاهد.
  • مصدرًا للربط بين الأسماء.
  • عنصرًا لا يمكن ضبط مآلاته.

إبستين ميتًا:

  • تُقطع السلسلة.
  • تُغلق إمكانية الشهادة.
  • وتتحول القضية إلى مادة تأويل لا إثبات.

سواء سُمّي انتحارًا أو تصفية، فالنتيجة واحدة: إسكات لا رجعة فيه.

ضرب عصفورين بحجر واحد

إسكات إبستين لم يحقق هدفًا واحدًا فقط، بل عدة أهداف متزامنة:

  • إخفاء الحقائق التي تُدين آخرين.
  • منع أي ربط قانوني مباشر.
  • فتح الباب لإعادة توجيه الاتهام أو تمييعه.
  • تحويل القضية إلى ضجيج دائم بلا حسم.

حين يغيب المصدر المركزي، تصبح الحقيقة قابلة لإعادة الصياغة.

التشكيك والفوضى: المرحلة الأخطر

بعد موته، لم تُدفن القضية، بل أُغرقت:

  • نظريات لا تنتهي.
  • اتهامات بلا أدلة.
  • أسماء تُطرح وتُسحب.
  • صراع سرديات بدل مسار تحقيق.

وهنا يتحقق الهدف النهائي:
ليس إقناع الناس برواية واحدة، بل منعهم من اليقين بأي رواية.

القضية كملف استراتيجي مفتوح

إبقاء القضية حيّة بلا نتيجة يمنح السلطة:

  • إمكانية إعادة فتحها عند الحاجة.
  • استخدامها كورقة ضغط مستقبلية.
  • تذكير النخب بأن الملفات لا تموت.

الملفات الخطيرة لا تُغلق دائمًا، بل تُخزّن.

خلاصة

قضية إبستين لم تكن فضيحة خرجت عن السيطرة، ولا كشفًا شجاعًا للحقيقة، بل نموذجًا لكيف تُدار الفضائح داخل أنظمة القوة:

  • إظهار محسوب بدل إخفاء كامل.
  • إسكات في اللحظة الحرجة.
  • وضجيج دائم يمنع الوصول إلى الجوهر.

إبستين لم يكن القصة، بل النافذة.
وما أُغلق بموته لم يكن ملفه الشخصي، بل احتمال أن نسأل عن البنية التي سمحت بوجوده أصلًا.

+
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.