
لا تُعدّ النفايات الإلكترونية أزمة بيئية فحسب، بل هي نتاج نموذج اقتصادي كامل يقوم على التقادم المُبرمج، ثم يعيد تعريف الجريمة باعتبارها سلوكًا فرديًا لا سياسة صناعية. فبينما يُطالَب المستخدم بتقليل استهلاكه وإعادة تدوير أجهزته، تُترك الشركات المنتجة خارج دائرة المساءلة، رغم كونها المصدر البنيوي لتضخم هذه النفايات. هنا لا نتحدث عن خلل عرضي، بل عن خطاب مُوجَّه يُعيد توزيع الذنب بدل معالجة السبب.
أولًا: كيف صُنعت سردية «المستخدم المسؤول»؟
جرى خلال العقدين الأخيرين بناء خطاب بيئي يركّز على الأفعال الفردية: أطفئ جهازك، بدّل هاتفك بحكمة، أعد التدوير. هذا الخطاب لا يكذب، لكنه ينتقي الحقيقة. فهو يعزل الاستهلاك عن سياقه الإنتاجي، ويحوّل أزمة صناعية عالمية إلى مسألة أخلاق شخصية. النتيجة: وعي أخلاقي مرتفع لدى المستخدم، مقابل حصانة شبه كاملة للشركات.
هذا التحويل ليس بريئًا؛ إنه يجنّب الدول مواجهة رأس المال التقني، ويُبقي عجلة الأرباح قائمة على الاستبدال السريع، مع منح النظام صكّ “الاستدامة” لفظيًا.
ثانيًا: التقادم المُبرمج… الجذر الصامت للأزمة
النفايات الإلكترونية لا تتراكم لأن الأجهزة “تشيخ طبيعيًا”، بل لأن عمرها مُحدَّد سلفًا. التقادم هنا ليس تلفًا ماديًا، بل قرارًا برمجيًا وتسويقيًا:
- إيقاف الدعم الأمني رغم صلاحية العتاد.
- فرض معايير جديدة بلا ضرورة تشغيلية.
- تعطيل التحديثات على أجهزة قادرة على العمل لسنوات.
ما تفعله شركات أنظمة التشغيل—ومايكروسوفت مثال واضح—هو إعادة تعريف الصلاحية لا قياسها. جهاز يعمل بكفاءة يُقصى لأنه لا يطابق معيارًا مستحدثًا، لا لأنه عاجز فعليًا. بهذا المعنى، تُصنَّع النفايات قبل أن تتكوّن.
ثالثًا: الهواتف الذكية… الاستبدال كسياسة
في الهواتف، تتجلى المفارقة بوضوح أشد:
- الكاميرا تعمل، الشاشة سليمة، الأداء مستقر.
- لكن انتهاء الدعم الأمني يحوّل الهاتف إلى “خطر”.
- فيُدفع المستخدم للاستبدال، لا للترقية.
هذا ليس تطورًا تقنيًا، بل إكراهًا سوقيًا. فالدعم لم يُنهَ لأن الجهاز غير آمن بذاته، بل لأن استمراره يتعارض مع نموذج الربح.
رابعًا: لماذا لا تُفرَض قوانين صارمة على الشركات؟
رغم وضوح المسؤولية البنيوية، تغيب التشريعات الجدية لعدة أسباب:
قوة اللوبيات التقنية التي تشارك في صياغة القوانين نفسها.
اقتصاد النمو القائم على الاستبدال؛ إطالة عمر الأجهزة تعني إبطاء الأرباح.
ابتزاز “الابتكار”؛ أي تنظيم يُصوَّر كعداء للتقدم.
تسييس الذنب؛ حيث يُحمَّل للفرد بدل النظام.
النتيجة: قوانين تجميلية، وشهادات “خضراء”، دون مساس حقيقي بجذر المشكلة.
خامسًا: اختلال المسؤولية بين الفرد والشركة
قد يساهم المستخدم الواعي بنسبة ضئيلة في تقليل النفايات—لنقل 1%—لكن الشركات، عبر سياساتها التصميمية والتسويقية، تضاعف المشكلة عشرات المرات. ومع ذلك:
- يُطالَب الفرد بالتضحية.
- وتُترك الشركات لتواصل إنتاج أجهزة قصيرة العمر.
- ويُعاد تدوير الخطاب، لا المنتج.
هنا يتحول الوعي البيئي إلى أداة ضبط اجتماعي لا إلى سياسة إصلاح.
سادسًا: ما الذي كان يجب أن يحدث؟
لو كان الهدف فعليًا تقليل النفايات الإلكترونية، لكانت الأولويات معكوسة:
- إلزام قانوني بدعم برمجي طويل الأمد (10–12 سنة).
- تشريع حق الإصلاح دون قيود أو احتكار قطع الغيار.
- منع تعطيل الأجهزة برمجيًا بلا مبرر أمني قاطع.
- تحميل الشركات كلفة النفايات الناتجة عن منتجاتها.
لكن ذلك يتطلب صدامًا مباشرًا مع نموذج الربح السائد، وهو ما لم يحدث بعد.
خاتمة: تنظيف الأعراض وترك المرض
المشكلة ليست في المستخدم، بل في نظام إنتاج يصنع النفايات ثم يطالب ضحاياه بإدارتها أخلاقيًا. ما لم يُعاد توجيه النقاش من سلوك الاستهلاك إلى سياسات الإنتاج، ستبقى الاستدامة شعارًا، والنفايات حقيقة متفاقمة.
تفكيك هذه السردية ليس ترفًا فكريًا، بل شرطٌ لأي نقاش بيئي جاد في عصر التكنولوجيا.