لم يعد التضليل الإعلامي قائمًا على الكذب الصريح، ولا على اختلاق الوقائع من العدم.
في عصر الفيض المعلوماتي، لم تعد المشكلة في ما يُقال، بل في ما يُستبعد من التفكير أصلًا.
الإعلام الحديث لا يحتاج أن يقنعك بشيء، يكفيه أن يحدّد لك حدود الأسئلة، ويتركك تتحرك داخلها بحرية موهومة.
وهنا تكمن خطورته الحقيقية: ليس بوصفه ناقلًا للمعلومة، بل بوصفه مهندسًا للانتباه والوعي.
من السيطرة على الرأي إلى السيطرة على المجال الذهني
في النماذج القديمة، كانت الدعاية تحاول فرض رأي محدد.
اليوم، لم يعد هذا ضروريًا.
يكفي أن يُغرق المجال العام بكمّ هائل من الأخبار، التحليلات، الآراء، والجدالات الثانوية، حتى يفقد السؤال الجوهري قدرته على الظهور.
أنت تشاهد، تقرأ، تناقش، تغضب… لكن ضمن مسار مرسوم سلفًا.
الحرية هنا ليست حرية تفكير، بل حرية حركة داخل قفص غير مرئي.
ما يُقال أقل أهمية مما لا يُقال
الإعلام لا يكذب حين يذكر الحدث، لكنه يضلّل حين:
- يعزل الحدث عن سياقه
- يفصل النتيجة عن سببها
- يركّز على التفاصيل بدل البنية
يمكنك أن تشاهد تغطية مستمرة لحرب، أزمة اقتصادية، أو فضيحة سياسية، دون أن يُطرح السؤال الذي يربك السردية:
من المستفيد؟ كيف صُمّم هذا المسار؟ ولماذا يتكرر؟
الصمت هنا ليس فراغًا، بل قرار تحريري واعٍ.
كثافة التغطية كوسيلة لإلغاء المعنى
أحيانًا، لا يُخفى الموضوع، بل يُستنزف.
يُعاد تدويره آلاف المرات، حتى يفقد قدرته على إثارة التفكير.
يتحوّل الحدث إلى ضجيج، والضجيج إلى إرهاق، والإرهاق إلى لامبالاة.
هكذا، لا يُمنع الوعي بالقوة، بل يُنهك حتى يستسلم.
الإعلام كأداة ضبط لا كأداة شرح
الإعلام السائد لا يشرح العالم بقدر ما:
- يحدّد لغة الحديث عنه
- يفرض نبرة معينة
- يجرّم الخروج عن الإطار
ليس كل من يخالف يُمنع، لكن يُدفع خارج “الجدية”، خارج “العقلانية”، خارج “القبول العام”.
وهذا كافٍ لعزل أي طرح مزعج دون قمع مباشر.
خاتمة
الإعلام لا يضللك حين يكذب، بل حين يعلمك ما الذي يستحق التفكير وما الذي لا يستحق.
الخطر ليس في الرواية السائدة، بل في اختفاء البدائل من الخيال الجمعي.
وحين تُدار الأسئلة قبل الأجوبة، يصبح الوعي نفسه منتجًا مُدارًا لا تجربة حرة.