التضخم كسلاح ناعم: من يدفع ثمن السياسات النقدية فعلًا؟

لا يحتاج التضخم إلى قرار سيادي معلن كي يغيّر حياة الناس.
لا يُقرّ في برلمان، ولا يُقدَّم في خطاب رسمي بوصفه تضحية وطنية، ومع ذلك يقتطع من الدخول يومًا بعد يوم بكفاءة تفوق أي ضريبة مباشرة.
المفارقة أن التضخم يُعامل دائمًا كظاهرة تقنية خارجة عن السيطرة، بينما هو في جوهره نتاج خيارات واعية اتُّخذت في غرف مغلقة، ثم تُرك المجتمع ليتحمّل آثارها بصمت.
السؤال الحقيقي ليس لماذا ارتفعت الأسعار، بل لماذا كان هذا المسار تحديدًا هو الأقل كلفة على السلطة والأكثر كلفة على الناس.

التضخم حين يتحول من خلل إلى أداة

في السردية السائدة، يظهر التضخم كعارض جانبي للأزمات: جائحة، حرب، اضطراب سلاسل الإمداد.
لكن ما لا يُناقش هو أن كل أزمة كانت تُواجه بضخ سيولة هائلة، وإنقاذ للأسواق، وتوسيع نقدي متعمّد، مع افتراض ضمني بأن الكلفة يمكن ترحيلها لاحقًا.

هذا “اللاحق” هو التضخم.
ليس لأنه حدث فجأة، بل لأنه الحل الأسهل سياسيًا: لا غضب فوري، لا مواجهة مباشرة، فقط تآكل بطيء للقدرة الشرائية.
بهذا المعنى، لا يُعالج التضخم الخطأ السابق، بل يُستخدم لتغطيته.

من لا يملك خيار الهروب

التضخم لا يصيب الجميع بالتساوي، وهذه ليست نتيجة جانبية بل خاصية أساسية.
من يملك أصولًا، شركات، عقارات، أو قدرة على نقل الكلفة، يستطيع التحصّن.
أما من يعيش على دخل ثابت، فلا يملك إلا مشاهدة المال يفقد قيمته بينما يُطلب منه “التكيّف”.

الخطير هنا أن النظام لا ينهار فجأة، بل يعيد ترتيب طبقاته بصمت.
لا ثورة، لا صدمة، فقط انزلاق اجتماعي بطيء يجعل الفقر نتيجة “سوء إدارة فردية” لا خيارًا بنيويًا مفروضًا.

التضخم كبديل عن القرار السياسي

لو فُرضت ضريبة مباشرة بنفس الأثر، لانفجر الجدل العام.
لكن التضخم يفعل الشيء نفسه دون نقاش، ودون توقيع.
وهنا تتجلى وظيفته السياسية: تحويل القرار إلى عملية تقنية، والمسؤولية إلى قدر اقتصادي.

حين تُقدَّم الأزمة على أنها “معقّدة” و”عالمية”، يُعفى الفاعل المحلي من المساءلة، ويُطلب من المجتمع تقبّل الخسارة كحتمية.

لماذا لا يُقضى على التضخم؟

لأن القضاء الحقيقي عليه لا يكون برفع الفائدة فقط، بل بإعادة نظر شاملة في نموذج الإنقاذ الدائم للأسواق، وفي أولويات من يجب حمايته عند كل أزمة.
وهذا مسار يصطدم مباشرة بمراكز النفوذ الاقتصادي.

لذلك، يُدار التضخم ولا يُنهى.
يُترك ضمن حدود “مقبولة”، أي حدود لا تهدد النظام، حتى لو كانت مدمّرة اجتماعيًا.

خاتمة

التضخم ليس خللًا في النظام الاقتصادي الحديث، بل أحد أدواته الأكثر انضباطًا.
هو الطريقة التي تُدفع بها كلفة الأخطاء دون إعلانها، ويُعاد بها توزيع الخسائر دون اعتراف.
وحين يصبح التآكل المعيشي واقعًا دائمًا، لا أزمة طارئة، نكون أمام سياسة مكتملة لا عرض جانبي.

+
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.