أولًا: من نناقش تحديدًا؟
لا يتناول هذا المقال:
- العلماء العاملين في وظائف مدنية أو إدارية.
- القضاة أو المفتين التقليديين بحكم المنصب.
- من سكتوا أو أخطأوا اجتهاديًا دون انخراط سياسي.
بل يناقش صنفًا محددًا يظهر فقط حين:
- تقمع السلطة جموعًا واسعة من المسلمين.
- تتخذ قرارات تصطدم بوجدان المجتمع.
- تحتاج غطاءً أخلاقيًا عاجلًا لا وقت فيه للنقاش العام.
هؤلاء لا يُستدعون للتعليم، بل للاستعمال.
ثانيًا: من عالم العلم إلى عالم الموقف
العالم في صورته الكلاسيكية:
- يعلّم باستمرار.
- ينتقد أحيانًا.
- يصمت أحيانًا أخرى.
أما هذا الصنف، فهو:
- غائب في الحياة اليومية.
- حاضر عند الطوارئ السياسية.
- صوته مرتبط بالحدث لا بالمنهج.
فتاواه ليست تراكمًا معرفيًا،
بل استجابات ظرفية تتغير بتغيّر الحاجة السياسية.
ثالثًا: آليات التصنيع – كيف تُنتَج هذه النوعية؟
1. الانتقاء النفسي لا العلمي
لا تختار السلطة الأكثر علمًا، بل:
- الأكثر قابلية للتطويع.
- الأقل اشتباكًا مع الواقع الاجتماعي.
- من يرى القرب من الحكم “نجاحًا” لا “ابتلاءً”.
المعيار الضمني دائمًا:
هل يمكن الاعتماد عليه حين يحتجّ الناس؟
2. إعادة تشكيل الوعي داخل المؤسسة
داخل المؤسسات الدينية الرسمية:
- يُعاد تعريف الفقه كأداة “استقرار”.
- تُضخّم نصوص الطاعة.
- تُفصل نصوص العدل عن سياقها السياسي.
لا يُكذَّب العالم صراحة،
بل يُعاد ترتيب أولوياته حتى يفقد الحسّ النقدي.
3. الفصل بين الدين والواقع
يُربّى هذا الصنف على أن:
- السياسة شأن أمني.
- الواقع معقّد لا يفهمه العامة.
- الاعتراض يفتح باب الفتنة.
فيتحوّل الظلم من قضية أخلاقية
إلى “مآلات يجب تقديرها”.
4. ربط الامتياز بالاصطفاف
منابر، حضور إعلامي، حماية، صعود سريع.
لا أوامر مباشرة، بل رسالة واضحة:
موقفك اليوم هو مستقبلك غدًا.
وهنا ينتقل العالم من موقع الرأي
إلى موقع المصلحة المرتبطة بالسلطة.
رابعًا: ما وظائفهم الفعلية داخل المنظومة؟
1. شرعنة الحد الأدنى من القمع
ليس مطلوبًا إقناع الجميع،
بل زرع الشك في نفوس المعترضين:
- هل احتجاجي شرعي؟
- هل أنا آثم؟
- هل الصمت أسلم؟
هذا القدر كافٍ لتعطيل الفعل الجماعي.
2. تفكيك الغضب الأخلاقي
السلطة لا تخاف الغضب السياسي بقدر ما تخاف:
- الغضب الأخلاقي.
- الشعور الجمعي بالظلم.
هنا يأتي دور الخطاب الديني:
- تحويل الغضب إلى ذنب.
- والاحتجاج إلى معصية.
- والمظلومية إلى فتنة.
3. عزل المجتمع عن ذاته
يُصوَّر المجتمع دائمًا:
- غير ناضج.
- عاطفي.
- مندفع.
بينما تُقدَّم السلطة بوصفها:
- الأعرف بالمصلحة.
- الأقدر على تقدير المآلات.
وهكذا تُكسَر ثقة الناس ببصيرتهم الأخلاقية.
4. تجفيف البدائل الدينية
لا يكتفي هذا الصنف بدعم السلطة،
بل يعمل على:
- تشويه العلماء المستقلين.
- وسم أي خطاب ديني ناقد بالتطرف.
- احتكار “الوسطية” رسميًا.
فيتحول الدين من مجال تعددي
إلى خطاب أحادي خاضع.
خامسًا: لماذا هذا النمط حديث وخطير؟
في الدولة الحديثة:
- القمع شامل.
- الإعلام مركزي.
- والمؤسسات الدينية جزء من الحكم.
لم يعد الصمت ممكنًا كما في الماضي،
فإما أن تكون مع السلطة أو ضدها.
وهنا تُصنَع هذه النوعية
لسدّ الفراغ بين العنف والشرعية.
سادسًا: العلامة الفارقة
اسأل سؤالًا واحدًا:
هل يظهر هذا العالم مع الناس في حياتهم اليومية،
أم لا نراه إلا حين تخاف السلطة؟
إذا:
- صمت عند الظلم،
- وتكلم عند الاعتراض،
- وهاجم المجتمع أكثر من الحاكم،
فنحن لا أمام فقيه،
بل أمام أداة ضبط سياسي بلباس ديني.
الخاتمة
في العصر الحديث، لم تعد العمامة مجرد رمز ديني،
بل قد تتحول – في بعض الحالات – إلى جزء من منظومة السيطرة.
وحين يصبح الدين أداة لإسكات المجتمع لا لمساءلة السلطة،
فإن الصراع لا يكون فقهيًا،
بل صراعًا على معنى الدين ودوره في الحياة العامة.
التحليل هنا ليس إدانةً لأشخاص،
بل تفكيك لبنية تُنتَج وتُستَخدم كلما عجزت السلطة عن الإقناع،
ولعل أخطر ما فيها أنها لا تقمع الجسد،
بل تربك الضمير.