لم تعد أزمات الغرب تُقاس بمؤشرات الاقتصاد وحدها، ولا تُختزل في صعود اليمين أو اضطراب الأسواق. ما نعيشه اليوم أعمق من أزمة عابرة، وأخطر من ركود دوري. نحن أمام لحظة تاريخية يتآكل فيها النموذج الغربي من الداخل، لا لأن الدولة فشلت في البقاء، بل لأنها فشلت في الوفاء بالوعد الذي قامت عليه. والسؤال لم يعد: هل الغرب قوي أم ضعيف؟ بل: هل ما زال صالحًا كنموذج حكم ومعنى؟
أولًا: ما المقصود بـ «النموذج الغربي»؟
النموذج الغربي ليس جغرافيا ولا ثقافة فقط، بل صيغة تاريخية للدولة نشأت بعد الحرب العالمية الثانية، وقامت على توازن دقيق بين أربع ركائز:
- دولة تضمن حدًا من العدالة الاجتماعية.
- اقتصاد رأسمالي منتج لا ريعي مالي.
- شرعية ديمقراطية تُشرك المواطن.
- تفوق عالمي يسمح بتمويل الداخل عبر الخارج.
هذا النموذج لم يكن مثاليًا، لكنه كان قابلًا للتسويق داخليًا وخارجيًا، لأنه قدّم وعودًا ملموسة: الاستقرار، التقدم، والارتقاء الاجتماعي.
ثانيًا: أين بدأ التآكل؟
التآكل لم يبدأ فجأة، بل تراكم بصمت:
1. سقوط دولة الرفاه
الدولة التي ضمنت التعليم والصحة والسكن، بدأت بالتراجع:
- خصخصة الخدمات.
- تقليص الدعم.
- تحميل الفرد مسؤولية فشل البنية.
تحولت الدولة من شريك اجتماعي إلى محاسب قاسٍ.
2. تفريغ الديمقراطية من مضمونها
الانتخابات مستمرة، لكن النتائج متشابهة.
النخب تتغير، والسياسات ثابتة.
ما بقي هو الشكل، بينما تآكل الجوهر: القدرة على المحاسبة والتغيير الحقيقي.
الديمقراطية هنا لم تُلغَ، بل فُرّغت.
ثالثًا: الاقتصاد ضد المجتمع
التحول الأخطر كان اقتصاديًا:
- من اقتصاد إنتاج إلى اقتصاد مضاربة.
- من قيمة العمل إلى قيمة المال.
- من توزيع الثروة إلى تركيزها.
الأجيال الجديدة تعمل أكثر، وتملك أقل، وتعيش بلا أفق.
وهنا ينكسر العقد الاجتماعي دون إعلان رسمي.
رابعًا: فقدان القدرة على تمويل الداخل من الخارج
نجاح النموذج الغربي تاريخيًا ارتبط بقدرته على:
- استغلال الأسواق العالمية.
- التحكم بالتجارة والمال.
- فرض عملته ونظامه.
اليوم:
- الصين تنافس.
- الجنوب العالمي يطالب.
- الهيمنة لم تعد مطلقة.
وحين يفقد المركز قدرته على التمويل الخارجي، يبدأ بتحميل الكلفة داخليًا، على حساب مواطنيه.
خامسًا: لماذا لا ينهار الغرب دفعة واحدة؟
لأنه يمتلك أدوات تأجيل لا أدوات حل:
- طباعة المال.
- تصدير التضخم.
- إدارة الأزمات بدل معالجتها.
- توسيع الدولة الأمنية الناعمة.
هذا لا يمنع السقوط، لكنه يحوّله إلى تآكل بطيء.
سادسًا: ما الذي يولد بدل هذا النموذج؟
لسنا أمام بديل متكامل، بل تحوّل مقلق:
- دولة أقل عدالة وأكثر ضبطًا.
- اقتصاد يهيئ الناس للتراجع لا للارتقاء.
- خطاب أخلاقي وتعويضي (حقوق، تنوع، مناخ) يُستخدم لسد الفراغ الاجتماعي، لا لمعالجته.
القيم هنا لا تُلغى، لكنها تُستعمل كغطاء لعجز سياسي واقتصادي.
الخلاصة
نحن لا نشهد نهاية الدولة الغربية، بل نهاية الدولة التي وعدت مواطنيها بشيء ثم عجزت عن تقديمه.
الغرب لا ينهار، لكنه يتحول إلى نسخة أقل جاذبية، أقل عدالة، وأكثر قسوة على مجتمعه.
والأخطر:
أن النموذج الذي قُدِّم يومًا كنهاية للتاريخ،
لم يعد قادرًا على إقناع أبنائه بجدواه.