مع تراجع جاذبية النموذج الغربي، يتجه الخطاب العالمي سريعًا إلى البحث عن “قائد جديد” للنظام الدولي. وفي هذا السياق، تُقدَّم الصين وروسيا بوصفهما البديل الطبيعي للغرب، أو على الأقل نواة عالم ما بعد الهيمنة الأمريكية. غير أن هذا الطرح، رغم انتشاره، يبقى سطحيًا ما لم يُفكك: فليس كل من كسر الهيمنة قادرًا على بناء نموذج، وليس كل صاعد مؤهلًا للقيادة.
أولًا: كسر الهيمنة لا يعني بناء بديل
الخطأ التحليلي الشائع هو الخلط بين:
- إسقاط الاحتكار الغربي،
- وبناء نظام عالمي جديد.
الصين وروسيا نجحتا في الأول، لكنهما لم تقدّما بعد مشروعًا متكاملًا للثاني. فالعالم لا يُدار بالقوة وحدها، بل بسردية تمنح النظام معنى وقبولًا، وهو ما افتقده الطرفان حتى الآن.
ثانيًا: الصين… دولة أداء بلا نموذج تحرري
الصين تمثل حالة فريدة:
- تخطيط مركزي طويل الأمد.
- سيطرة الدولة على رأس المال.
- قدرة هائلة على الإنتاج والبنية التحتية.
هذه المقومات جعلت الصين منافسًا اقتصاديًا حقيقيًا، لكنها في المقابل بنت شرعيتها على الإنجاز لا التمثيل. الفرد في النموذج الصيني ليس مركز النظام، بل جزء منه، تُقاس قيمته بمدى مساهمته في الاستقرار العام.
الصين لا تعد بالحرية السياسية، بل بالاستقرار والنمو. وهذا قد يكون مقنعًا داخليًا، لكنه يفتقر إلى القابلية للتصدير كنموذج إنساني عالمي.
ثالثًا: روسيا… قوة بلا نموذج قابل للتعميم
روسيا حالة مختلفة تمامًا. نفوذها لا يقوم على الاقتصاد أو الجاذبية الثقافية، بل على:
- القوة العسكرية.
- الطاقة.
- القدرة على تعطيل مشاريع الخصوم.
روسيا تجيد لعب دور المفسد للنظام الغربي، لكنها لا تمتلك رؤية اقتصادية أو اجتماعية يمكن للدول الأخرى أن تستنسخها. هي دولة استعادة نفوذ، لا دولة صياغة نظام عالمي.
رابعًا: ما الذي يشترك فيه النموذجان؟
رغم اختلافهما، تشترك الصين وروسيا في سمات جوهرية:
- أولوية الدولة على الفرد.
- رفض الوصاية الغربية وخطابها الأخلاقي.
- براغماتية صريحة بلا ادعاء عالمي.
- تركيز على إدارة الدول لا إقناع الشعوب.
وهذا يجعل حضورهما مقبولًا لدى أنظمة كثيرة في العالم، لكنه لا يمنحهما قيادة معنوية للشعوب.
خامسًا: عالم بلا سردية
النتيجة ليست انتقالًا من غرب إلى شرق، بل دخول العالم مرحلة جديدة:
- تعدد مراكز القوة.
- غياب نموذج جامع.
- مصالح بلا قيم مشتركة.
نحن أمام نظام دولي بلا مرجعية أخلاقية أو فكرية واضحة، حيث تُدار الأزمات بدل حلّها، وتُضبط التوازنات بالقوة لا بالتوافق.
الخلاصة
الصين وروسيا لا تمثلان بديلاً حضاريًا للغرب، بل بديلًا وظيفيًا جزئيًا يكسر الاحتكار دون أن يملأ الفراغ. الغرب يفقد قدرته على القيادة، لكن أحدًا لم يرث موقعه بالكامل.
العالم اليوم لا يعيش انتقال قيادة، بل فراغ قيادة، وهو أخطر بكثير من الهيمنة ذاتها.