
فماذا حدث؟ وكيف انقلبت موازين الوعي بهذا الشكل الصادم؟
انهيار الموقف العربي والإسلامي
رغم أن القضية الفلسطينية تُعد رمزًا للوجدان العربي والإسلامي، إلا أن الواقع اليوم يعكس انهيارًا تامًا في الموقف الفعلي:
- معظم الأنظمة العربية إما طبّعت علنًا أو تمارس الحياد المريب، أو تكتفي بخطاب شعبي جوفاء بلا أثر حقيقي.
- الدول الإسلامية الكبرى، التي تمتلك رمزية دينية أو ثقلًا عسكريًا، اكتفت بالاستنكار ورفع الصوت دون اتخاذ أي إجراء حاسم، كقطع العلاقات أو فرض عقوبات اقتصادية أو تسليح المقاومة.
- الشعوب نفسها تم تدجينها، وتفكيك قضاياها، وتهميش وعيها، حتى صار المواطن العربي يشعر بأن فلسطين شأن "بعيد" أو "سيادي"، لا يخصه مباشرة.
لقد غاب المشروع العربي والإسلامي البديل، فلا تحرك عسكري، ولا خطة إعلامية كبرى، ولا حتى ضغط سياسي منسق. تم تغييب الهوية الجامعة للأمة، وانكفأ كل بلد على ذاته، فماتت الفكرة الكبرى التي كانت تُوحد الشعوب تحت راية "القدس لنا".
دخول غير المسلمين إلى ساحة النضال
المفارقة أن العالم الغربي، الذي طالما نُظر إليه كأداة دعم لإسرائيل، بدأ يشهد صحوة أخلاقية عميقة. آلاف من الطلاب والأساتذة، نشطاء بيئة، وحقوقيين، وحتى يهود مناهضين للصهيونية، تظاهروا، قاطعوا، وكتبوا وفضحوا.
من الجامعات الأميركية إلى شوارع لندن وباريس ومدريد، نشهد اليوم ولادة ما يمكن تسميته "الضمير العالمي الجديد"، الذي لا تحكمه الأصول القومية أو الدينية، بل معيار الحق والباطل.
وهنا تكمن المفارقة الأكبر: الذين وقفوا اليوم إلى جانب غزة ليسوا الأقرب دمًا أو عقيدة، بل الأقرب أخلاقًا وإنسانية.
سقوط من الداخل... وصحوة من الخارج
من كان يُفترض به أن يكون رأس الحربة، صار في ذيل المشهد أو خارجه تمامًا. ومن كان يبدو خصمًا أو بعيدًا، صار يرفع راية العدالة. ليس لأن العالم أصبح طيبًا فجأة، بل لأن القضية الفلسطينية نفسها تغيّرت طبيعتها.
فلم تعد في نظر العالم مجرد صراع حدود أو أديان، بل تحوّلت إلى أعظم اختبار أخلاقي معاصر: هل تقف ضد الإبادة الجماعية؟ هل ترفض الكيل بمكيالين؟ هل تجرؤ على قول "لا" للهيمنة الإعلامية والسياسية؟
والغرب، رغم كل عيوبه، فيه من لا يزال قادرًا على الجهر بالحقيقة حين يسقط غيره في الخوف أو النفاق.
من يكتب التاريخ الآن؟
لقد خرج العرب والمسلمون من المشهد، بقرار ذاتي أو خضوع سياسي، بينما بدأ الآخرون — من طلاب ونشطاء وفنانين وصحفيين — يكتبون سطورًا جديدة في سجل القضية الفلسطينية. سطور لن تُنسى، لأنها كُتبت على جدران جامعاتهم وسُجلت في محاضر اعتقالهم وشاشات قنواتهم.
هؤلاء لم يصرخوا من أجل هوية، بل من أجل كرامة الإنسان.
خلاصة المفارقة
غزة اليوم ليست مجرد مدينة تُقصف، بل مرآة تعكس الوجوه الحقيقية للأمم. في هذه المرآة، رأينا من يُشبهنا وقد تنكر لنا، ورأينا من لا يُشبهنا وقد دافع عنّا.
لقد أصبحت فلسطين ميزانًا جديدًا للعالم: من معها فهو مع العدالة، ومن ضدها، فقد اختار أن يسقط في اختبار التاريخ.