إسرائيل: خسائر لأول مرة في تاريخها.. ماذا تعني؟ ولماذا دخلت الحرب الآن؟

رغم التاريخ العسكري الحافل بالضربات الوقائية والانتصارات الخاطفة، تواجه إسرائيل لأول مرة منذ تأسيسها حربًا حقيقية شاملة تضرب عمقها الداخلي وتكشف عجزها عن الحسم. فما الذي تغيّر؟ ولماذا اختارت الدخول في حرب مفتوحة رغم غياب الضرورة الاستراتيجية الظاهرة في التوقيت الراهن؟

انهيار وهم التفوق: من الردع إلى الانكشاف

لطالما بنت إسرائيل مشروعها الأمني على أسس الردع الساحق: التفوق الجوي، الهيمنة الاستخباراتية، والردع النووي غير المعلن. لكنها منذ 7 أكتوبر وما تلاه من تطورات، خسرت هذا التفوق في ثلاث مستويات:

  • العجز عن ردع حماس، رغم سنوات من الحصار والتجسس.
  • الشلل أمام الضربات الإيرانية المباشرة، لأول مرة منذ قيامها.
  • انكشاف الجبهة الداخلية أمام صواريخ متوسطة وطائرات مسيّرة، دون حماية كافية.

ما نشهده الآن ليس فقط تصاعدًا في الأضرار المادية، بل تآكل في هيبة الردع، وهو أخطر ما يمكن أن تتعرض له دولة قائمة على فكرة “اللا تُهزم”.

لماذا دخلت إسرائيل هذه الحرب الآن؟

رغم عدم وجود مصلحة استراتيجية واضحة لإسرائيل في إشعال جبهة شاملة، خصوصًا في ظل بيئة دولية غير مواتية وتنامي التضامن العالمي مع الفلسطينيين، إلا أن هناك عدة دوافع دفعتها إلى اتخاذ القرار:

1. منع انهيار داخلي سياسي ونفسي

  • بعد عملية "طوفان الأقصى"، واجهت إسرائيل حالة من الانهيار الداخلي النفسي، خصوصًا في مستوطنات الجنوب.
  • الدخول في حرب شاملة كان محاولة لتوحيد الجبهة الداخلية وصرف الأنظار عن الإخفاق الاستخباراتي الأكبر في تاريخها.
2. ضبط التوازنات الإقليمية

  • إسرائيل تعي أن تراجع هيبتها العسكرية يعطي دفعة هائلة للمحور المناهض لها، خاصة إيران وحزب الله، ويشجع حركات المقاومة على التمرد.
  • كانت تراهن على أن الحرب الشاملة ستعيد فرض "قواعد الاشتباك" كما كانت قبل 2023.

3. الضوء الأخضر الأميركي المؤقت
  • في بداية الحرب، وفّرت الولايات المتحدة دعمًا سياسيًا وعسكريًا غير محدود. فظنّت إسرائيل أن الفرصة سانحة لسحق المقاومة في غزة ثم التفرغ للجبهة الشمالية.

لكن الحسابات خابت. إذ لم تؤد الحرب إلا إلى زيادة العزلة الدولية لإسرائيل، وتصاعد الأصوات المطالِبة بمحاسبتها، بل وحتى هجرة معاكسة ليهودها إلى الخارج، وهو مؤشر غير مسبوق.

ماذا تعني هذه الخسائر لأول مرة؟

هذه ليست خسائر ميدانية عابرة، بل ضربات استراتيجية:

  • خسارة الهيبة: لأول مرة يُشاهد العالم إسرائيل في موقع دفاعي، تتلقى الضربات وتطلب النجدة.
  • انكشاف الحدود الهشة: لم يعد الجدار العازل ولا القبة الحديدية كافيين أمام التكتيكات الذكية للمقاومة.
  • تآكل المشروع الصهيوني نفسيًا: حين يشعر الإسرائيلي أن الدولة لم تعد آمنة، ينهار الرابط العاطفي الذي يجذبه للبقاء في فلسطين المحتلة.

الخلاصة

لم تدخل إسرائيل هذه الحرب لأنها ضرورة أمنية، بل لأنها أزمة وجودية. كانت تراهن على حرب خاطفة تعيد لها السيطرة، لكنها فتحت على نفسها حرب استنزاف تُنذر بنهاية أسطورة "الجيش الذي لا يُقهر".

إسرائيل اليوم تقاتل ليس فقط على حدودها، بل على شرعية وجودها، وعلى صورتها أمام العالم، وعلى بقاء المشروع الصهيوني نفسه. وإذا استمرت هذه الخسائر، فقد لا تكون هذه الحرب مجرد محطة عابرة، بل منعطفًا تاريخيًا في مسار زوالها.

+
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.