
الشعب الإيراني: ثقافة الصبر والتضحية
عُرف الإيرانيون، خصوصًا منذ الثورة الإسلامية عام 1979، بأنهم شعبٌ مهيّأ لتحمّل الحرب، والتضحية على مدى طويل. لقد خاضت إيران حربًا مدمّرة مع العراق دامت ثماني سنوات دون أن تستسلم، ومرّت بعقود من العقوبات والعزلة الدولية دون أن تنهار.
الخطاب الرسمي للنظام الإيراني لا يكتفي بالترويج "للمقاومة"، بل يبني حولها عقيدة ثقافية وأخلاقية راسخة. المظلومية التاريخية، وحتمية المواجهة مع قوى الاستكبار العالمي، وإحياء كربلاء في الوجدان السياسي.. كلها أدوات لصناعة شعب لا يخاف من الحرب، بل يراها اختبارًا لشرعيته وقيمه.
بالتالي، فإن المجتمع الإيراني وإن عانى اقتصاديًا، إلا أنه مؤهّل نفسيًا لقبول فكرة الحرب الطويلة، ما يجعله عنصرًا داعمًا لا عبئًا على الدولة.
المجتمع الإسرائيلي: رفاه هش في مواجهة الخوف الوجودي
في المقابل، تقوم الدولة الإسرائيلية على بنية سكانية هشة من حيث الانتماء العميق للأرض. أغلب سكانها مهاجرون أو أبناء مهاجرين، ويحمل كثير منهم جنسيات مزدوجة وجاهزون للرحيل متى شعرت النفس بعدم الأمان.
فكرة "الهروب الكبير" ليست خيالًا؛ فالمجتمع الإسرائيلي يتفاعل بقلق شديد مع الهجمات الصاروخية، والأنفاق، وحتى التهديدات النفسية. لم تُبنَ إسرائيل على عقيدة التضحية الطويلة، بل على مزيج من التقنية والقوة والردع، مع وعد بـ"الأمن" و"الحياة الأفضل". فإذا سقط هذا الوعد، سقطت معه ثقة كثير من السكان بجدوى البقاء.
لهذا، فإن استمرار الحرب مع إيران ووقوع إصابات وضربات مباشرة في العمق، سيؤدي حتمًا إلى موجات هجرة — ليس فقط من العمال الأجانب، بل من النخبة الإسرائيلية ذاتها.
الهجرة: سلاح إيران غير المباشر
الخطورة الحقيقية تكمن هنا: كلما طال أمد الحرب، زادت احتمالات التفكك السكاني في إسرائيل. فخسارة العاصمة الاقتصادية (تل أبيب) لجزء من سكانها، أو تضرر مطار بن غوريون، يعني إرسال رسالة لكل مستوطن مفادها: "هذه الأرض لم تعد آمنة".
وهنا تظهر أحد أخطر نقاط الضعف الإسرائيلية: أنها لا تملك شعبًا مستعدًا للموت من أجل البقاء، بل شعبًا يريد البقاء فقط إن ضُمنت له الحياة.
وفي المقابل، تدرك إيران أن استمرار الضغط العسكري والنفسي دون الدخول في حرب شاملة كاسحة، قد يكون هو السلاح الحقيقي: تخويف الإسرائيليين من الغد، ودفعهم للبحث عن وطن بديل.
خاتمة: بين الحروب والسيكولوجيا
قد تُسقط إسرائيل صواريخ إيران، لكنها لا تستطيع إسقاط آثارها النفسية. وقد تنجح في قصف منشآت نووية، لكنها لا تستطيع قصف عقيدة "الصبر على الشدائد". وهنا الفارق الذي يصنع التاريخ: بين شعبٍ يتشبّث بالأرض كعقيدة، وشعبٍ يتعلّق بها ما دامت آمنة فقط.
إن أطول الحروب لا تُحسم بالمدى، بل بالعمق النفسي للشعوب. وإيران تعرف أن معركتها مع إسرائيل ليست فقط في المفاعل، بل في الهجرة، وفي هوية من سيبقى ويصمد.. ومن سيغادر.