لم تعد الجماعات المسلحة غير الدولتية في المنطقة تُفهم بوصفها قوى خارجة عن النظام أو حركات تمرّد تسعى إلى قلب المعادلة، بل تحوّلت تدريجيًا إلى عناصر مُدمجة داخل منظومة إدارة الصراع. الأخطر في هذا التحول ليس اندماجها الوظيفي، بل تسويقها إعلاميًا كقوى “مستقلة” أو “مقاومة” أو “إرهابية” وفق الحاجة، بما يُنتج وعيًا زائفًا يُخفي دورها الحقيقي كأدوات ضبط لا أدوات تغيير.
أولًا: نهاية الفاعل الحر وبداية الفاعل الوظيفي
في المراحل الأولى للصراعات، يظهر الفاعل غير الدولتي غالبًا كقوة غير منضبطة:
- يمتلك هامش حركة واسع
- يستثمر الفوضى
- يراكم شرعية ميدانية أو أيديولوجية
لكن مع الوقت، ومع تعقّد المشهد الدولي، يبدأ إدخاله تدريجيًا في معادلة الضبط:
- عبر التمويل
- أو التسليح المشروط
- أو القبول الضمني بدوره
- أو تحويله إلى “أمر واقع”
في هذه اللحظة، يفقد الفاعل طبيعته التمرّدية، دون أن يفقد خطابه الراديكالي.
ثانيًا: لماذا تحتاج المنظومة الدولية إلى فاعلين غير دولتيين؟
الدولة التقليدية مكلفة:
- تحتاج شرعية
- وتحمّل مسؤولية
- وتُحاسَب سياسيًا
أما الفاعل غير الدولتي فيؤدي وظائف حيوية:
- إدارة العنف دون مساءلة مباشرة
- ضبط الجبهات دون إعلان حرب
- خلق توازن ردع منخفض الكلفة
- منع الحسم الكامل لأي طرف
بهذا المعنى، لا يُنظر إليه كاستثناء، بل كـأداة إدارة مرنة.
ثالثًا: من سلاح المواجهة إلى سلاح التوازن
السلاح الذي كان يُستخدم لكسر المعادلة، أصبح يُستخدم لضبطها.
التصعيد لا يحدث عندما يُمكن أن يُغيّر المشهد، بل عندما يخدم إعادة التوازن.
- ضربة هنا لرفع السقف التفاوضي
- تهديد هناك لتجميد مسار ما
- صمت طويل لتثبيت أمر واقع
الفاعل غير الدولتي لم يعد يختار توقيت المواجهة وفق مصلحته الذاتية، بل وفق إيقاع دولي غير معلن.
رابعًا: الإدماج غير المعلن بدل التفكيك
بدل تفكيك هذه الجماعات، يتم:
- استيعابها
- أو تحييدها
- أو توظيفها
تفكيكها الكامل قد:
- يفتح فراغًا أمنيًا
- أو يطلق فوضى غير قابلة للضبط
لذلك، يُفضَّل إبقاؤها:
قوية بما يكفي للضبط
ضعيفة بما يكفي لعدم الحسم
خامسًا: الإعلام وصناعة الوعي الزائف حول “اللاعبين الجدد”
الإعلام يؤدي دورًا مركزيًا في إعادة تعريف هذه الجماعات:
- يُقدّمها أحيانًا كحركات تحرر مطلقة
- وأحيانًا كخطر وجودي
- وأحيانًا كقوى أمر واقع لا بد من التعايش معها
هذا التذبذب ليس ارتباكًا، بل هندسة وعي:
- لتبرير دعمها أو ضربها
- لتفسير صمتها أو تصعيدها
- لإعادة توجيه غضب الجمهور
المتلقي لا يُمنح فهمًا، بل انطباعًا لحظيًا يخدم المرحلة.
سادسًا: كيف يُخفى الدور الوظيفي خلف خطاب أيديولوجي؟
الخطاب الأيديولوجي هنا ليس محركًا بقدر ما هو غطاء:
- شعارات كبرى تُستهلك إعلاميًا
- لغة مواجهة لا تُترجم إلى تغيير فعلي
- عدو دائم يُبقي القاعدة متماسكة
بينما في العمق:
- تُضبط الجبهات
- تُدار الاشتباكات
- تُحفظ خطوط الاتصال
الخطاب مرتفع… والوظيفة مضبوطة.
سابعًا: تجريم أو تمجيد… حسب الحاجة لا حسب الفعل
الفاعل نفسه قد يُصنَّف:
- مقاومًا في مرحلة
- إرهابيًا في مرحلة
- شريكًا غير معلن في مرحلة ثالثة
المعيار ليس سلوكه الأخلاقي ولا أثره الإنساني، بل:
مدى التزامه بالدور المرسوم له في تلك اللحظة.
الإعلام هنا لا يكشف، بل يُعيد التصنيف وفق الإشارة القادمة من أعلى.
ثامنًا: النتيجة – صراعات بلا أفق تغيير
حين تتحول القوى غير الدولتية إلى أدوات ضبط:
- يفقد الصراع طاقته التغييرية
- ويتحوّل العنف إلى طقس دوري
- وتُستنزف المجتمعات بلا أفق
لا نصر، ولا هزيمة، بل إدارة دائمة للألم.
الخلاصة: حين يصبح “اللاعب الخارج” جزءًا من النظام
أخطر ما في المشهد الحالي أن:
- من يُفترض أنه خارج النظام
- أصبح جزءًا من آلية استمراره
والأخطر أن هذا التحول يُقدَّم للجمهور بوصفه:
- صمودًا
- أو فوضى
- أو صراع إرادات
بينما هو في حقيقته:
إعادة توزيع للأدوار داخل نظام لا يريد أن يُحسم.
وفي ظل هذا الواقع، يصبح الوعي الحقيقي أول الضحايا، ويغدو تفكيك الخطاب الإعلامي شرطًا لفهم الصراع، لا ترفًا فكريًا.
