
ليست أزمات المنطقة سوى مظاهر سطحية لبنية أعمق تُدار منذ سنوات بمنطق “الضبط دون الحل”، و“الاستنزاف دون الحسم”. ومع اكتمال مشهد إدارة الصراع، لم يعد السؤال متعلقًا بطبيعة الأحداث أو تبدّل التحالفات، بل بالبنية التي تسمح بتكرارها، وبالنتائج المتراكمة التي لم يعد ممكنًا تجاهلها. هذا المقال لا يناقش حدثًا، بل يضع اليد على نهاية صلاحية نمط كامل من إدارة المنطقة.
أولًا: من يدفع ثمن نهاية هذا النمط؟
الثمن لا يُدفع عند لحظة الانهيار، بل يُدفع تدريجيًا خلال سنوات الإدارة الطويلة.
والفاعل الذي يدفعه ليس من يملك القرار، بل من يُدار باسمه.
- إنهاك اقتصادي مزمن
- تفكك اجتماعي بطيء
- تآكل الأمل السياسي
- تطبيع الخوف كحالة دائمة
- تآكل السيادة الوظيفية
- تراجع القدرة على التخطيط طويل الأمد
- تحوّل القرار الاستراتيجي إلى استجابة ظرفية
بينما تُدار الصراعات فوق هذا الركام، يُعاد تعريف “الاستقرار” ليعني فقط غياب الانفجار، لا وجود الحياة السياسية.
ثانيًا: لماذا تُستبعد الشعوب دائمًا من أي تسوية؟
الاستبعاد ليس عرضيًا، بل شرط أساسي لنجاح إدارة الصراع.
إشراك الشعوب يعني:
- طرح أسئلة السيادة
- مساءلة التحالفات
- إعادة تعريف العدو والحليف
- المطالبة بعائد سياسي مقابل الكلفة
وهذا كله يتعارض مع نمط إدارة قائم على:
- صفقات مغلقة
- توازنات هشة
- حلول فوقية
- شرعيات مستعارة
لذلك تُستبدل المشاركة الشعبية بـ:
- إعلام تعبوي
- خطابات تخويف
- سرديات وطنية مُفرغة
- ثنائية “الأمن أو الفوضى”
الشعوب ليست غائبة، بل مُغيَّبة عمدًا.
ثالثًا: وهم القرار الوطني المستقل
أحد أكثر الأوهام رواجًا هو الاعتقاد بأن الأطراف الإقليمية تتخذ قراراتها الاستراتيجية بشكل منفصل.
في الواقع:
- القرار الوطني مُجزّأ
- السيادة مُقيّدة
- والهامش مُدار لا مُختار
لا يعني ذلك غياب الفاعلية المحلية، بل يعني أن:
- الحركة مسموحة داخل مسار مرسوم
- الخروج الكامل مكلف إلى حد الانتحار
- الاستقلال يُسمح به تكتيكيًا لا استراتيجيًا
وهنا يصبح “الاختلاف بين الحلفاء” أداة تمويه، لا تعبيرًا عن استقلال حقيقي.
رابعًا: الفاعلون غير الدوليين… من مقاومة إلى وظيفة ضبط
تحوّل الفاعلين غير الدوليين من أدوات مواجهة إلى أدوات ضبط ليس خيانة ولا بطولة، بل نتيجة بنيوية لمسار طويل.
هذا التحول أنتج:
- قوى مسلحة بلا أفق سياسي
- شرعيات قائمة على الاستمرار لا الإنجاز
- ارتباطًا عضويًا باستقرار الفوضى
المشكلة ليست في وجود هذه الفواعل، بل في:
- تثبيتها كبديل دائم
- ربط بقائها بإدامة الأزمة
- استخدامها لضبط المجتمع بدل تمثيله
وهنا تفقد “المقاومة” معناها التاريخي، وتتحول إلى آلية إدارة داخل النظام نفسه.
خامسًا: الإعلام وصناعة الوعي الزائف
لا يمكن لهذا النمط أن يستمر دون غطاء إعلامي كثيف.
الإعلام هنا لا ينقل الواقع، بل:
- يُجزّئه
- يُعيد ترتيبه
- يضخم بعضه
- ويخفي بعضه الآخر
تُلمَّع أدوار وتُجرَّم أخرى، لا بناءً على أثرها الواقعي، بل على وظيفتها في المعادلة.
ومع تراكم التناقضات، لا يسقط خطاب بعينه، بل تسقط الثقة بالخطاب كله، ويبدأ الفراغ السردي الذي يسبق عادة أي تحول كبير.
سادسًا: هل يمكن نشوء فاعل جديد خارج هذه المعادلة؟
الفاعل الجديد لا يولد من السلاح، ولا من الخارج، ولا من الخطاب العالي.
يولد فقط عندما:
- تتقاطع الكلفة مع الوعي
- ويُكسر احتكار التمثيل
- وتُستعاد السياسة من يد الأمن
لكن هذا المسار:
- طويل
- مؤلم
- غير مضمون
- ويبدأ غالبًا من الهامش
لا توجد وصفة جاهزة، لكن المؤكد أن:
إعادة إنتاج الأدوات نفسها لن تنتج نتائج مختلفة.
الخلاصة: إدارة الصراع ليست نهاية التاريخ
ما نعيشه ليس ذروة الصراع، بل تعليقًا له.
وليس انتصارًا لأي طرف، بل تأجيلًا للأسئلة الكبرى.
هذا النمط:
- يضبط ولا يحل
- يؤجل ولا يعالج
- يستنزف ولا يبني
وسيصل إلى نهايته، لا لأن أحدًا يريد ذلك، بل لأن كلفته ستتجاوز قدرته على الاستمرار.
وحينها، لن يكون السؤال:
من انتصر؟
بل:
من بقي واقفًا؟
ومن احتفظ بقدرته على الفعل؟
ومن دفع الثمن دون أن يُستشار؟
هنا فقط تبدأ مرحلة جديدة…
لا بالضرورة أفضل،
لكن مختلفة جذريًا عمّا قبلها.