
العداء المشترك كمحفّز فوق الأيديولوجيا
العدوّ الإسرائيلي هو القاسم المشترك الذي يجتمع حوله طيف واسع من التيارات السياسية، سواء كانت إسلامية أو قومية أو يسارية أو حتى ليبرالية. وحين تقع إسرائيل تحت نيران عسكرية، فإن العقل الجمعي العربي — الذي يعاني من مرارة مشاهد غزة والخذلان الدولي — يتلقّى هذه الضربة كـ"انتقام رمزي" حتى لو جاء من خصم آخر.
إنه منطق بسيط لكنه بالغ التأثير:
"من يضرب عدوي يستحق التصفيق ولو مؤقتاً".
وهنا تختلط المواقف، ويتداخل المبدئي بالعاطفي، لينتج سلوكاً آنياً لا يعكس بالضرورة موقفاً استراتيجياً ثابتاً.
الفراغ العربي واستيراد "الانتقام من الخارج"
حين يغيب الرد العربي الرسمي على المجازر الإسرائيلية، وتغيب الجيوش القادرة، فإن الجماهير تبحث عن أي جهة تملأ هذا الفراغ... حتى لو كانت خصماً في قضايا أخرى.
في ظل العجز، تصبح حتى الضربات الرمزية تمثيلاً للشعور بالكرامة المفقودة.
وهكذا تظهر إيران، أو حزب الله، أو الحوثيون، كأدوات تعويضية لمجتمع مأزوم يبحث عن من يُعيد توازن الكرامة في مواجهة عدوان لا رادع له.
الشماتة لا تعني الولاء
من الخطأ التحليلي أن نربط بين الفرح العاطفي بضرر يلحق بإسرائيل، وبين الاصطفاف السياسي الكامل مع إيران. فالشماتة رد فعل نفسي، بينما الاصطفاف خيار استراتيجي.
كثيرون يفرحون بالضربة، لكنهم يدركون تماماً أن إيران ليست نصيرة لفلسطين، وأنها توظّف القضية لخدمة مشروعها الإقليمي.
فالشماتة ليست تزكية سياسية، بل تنفيس عن قهر طويل. إنها شعور يتولد من مرارة الظلم أكثر مما ينبع من الثقة بالضارب.
خطورة الانزلاق في التطبيع مع "الخصم البديل"
رغم مشروعية الغضب والفرح بسقوط غطرسة تل أبيب، إلا أن المبالغة في الاحتفاء قد تؤدي إلى تطبيع خطير مع السرديات الإيرانية. وهنا يجب التنبيه:
إذا تحوّلت الشماتة العاطفية إلى إعجاب دائم، فإنها قد تُنتج اصطفافاً غير واعٍ مع مشروع سياسي آخر لا يقل خطرًا على استقلال المنطقة.
إن الشماتة ليست في ذاتها خطيئة سياسية، لكنها تصبح خطيئة حين تُحوّل العدو الثانوي إلى "منقذ"، دون محاسبة لتاريخه أو نواياه.
بين الشماتة والاصطفاف: خطّ فارق لا تراه العاطفة
يكمن الفرق الجوهري هنا:
- الشماتة: لحظة وجدانية، تنبع من الإحساس بالعدالة المؤقتة، وتعكس عطشًا للثأر الرمزي من كيان ظالم.
- الاصطفاف: خيار عقلاني، يُبنى على تقييم شامل لتاريخ الطرف الآخر، مشروعه، وأهدافه الإقليمية.
والخلط بينهما ينتج وعياً زائفاً، قد يُستثمر لاحقاً في تمرير سياسات لا تخدم قضية فلسطين، بل تُعيد إنتاج الهيمنة بثوب آخر.
خاتمة
لسنا مضطرين لأن نُحبّ كل من يضرب عدونا، ولسنا ملزمين بأن نُعادي من يفرح بسقوط هيبة المعتدي. لكننا — في لحظة اشتباك الوعي — يجب أن نفرّق بوضوح بين ما هو عاطفي آنٍ، وما هو سياسي ممتد. فبين لحظة الشماتة ولحظة الاصطفاف، هناك وعي نقدي لا بد أن يضبط البوصلة.