الجامية المدخلية بين شيطنة حماس وعداء إيران لإسرائيل: حين يفضح الواقع الخطاب الوظيفي

 
لطالما تبنى التيار الجامي (أو المدخلي) خطابًا دينيًا يمارس التبرير السياسي تحت غطاء "الطاعة"، فصبّ جام غضبه على فصائل المقاومة الفلسطينية، وعلى رأسها حركة حماس، بحجة ارتباطها بإيران، مُشيطنًا كل من يقف في وجه الاحتلال الإسرائيلي خارج الإذن السلطاني. لكن ما الذي بقي من هذا الخطاب بعد أن اندلعت مواجهة عسكرية مباشرة بين إيران وإسرائيل؟ وكيف يبرر الجاميون هذا التحول في المشهد؟ وهل كانوا فعلًا يملكون موقفًا مبدئيًا، أم مجرد لسانٍ للسلطة؟

1. الجامية واتهام حماس بالولاء لإيران

على مدار السنوات الماضية، دأبت الخطابات الجامية على التحذير من حماس ووصمها بأنها "أداة إيرانية" أو "فرع من جماعة الإخوان"، مع أن هذا الخطاب لم يكن يصدُر من باب التحليل السياسي المحايد، بل من منطلق الاصطفاف مع السلطات التي ترى في كل مقاومة خارج وصايتها تهديدًا.

فالجامية تتبنى موقفًا يُشيطن المقاومة إذا لم تكن تحت سيطرة الأنظمة الخليجية تحديدًا، وتُفتي بالولاء لولي الأمر حتى لو تحالف مع الاحتلال الصهيوني صراحةً، ويصفون من يخالف هذا التوجه بـ"الخوارج" أو "أهل الفتنة". خطاب لا يخرج عن كونه امتدادًا لمواقف الأنظمة التي تخشى من أي مقاومة مستقلة. لكن المفارقة أن نفس التيار كان يلتزم الصمت التام تجاه تطبيع بعض الدول مع الكيان الصهيوني، ويُحرّم الخروج على الحاكم ولو تحالف مع الاحتلال.


2. التناقض عند وقوع الحرب المباشرة بين إيران وإسرائيل

في ظل الأحداث الأخيرة، وقد حصل ما لم يكن في الحسبان: إيران دخلت في مواجهة عسكرية مباشرة مع إسرائيل — سواء بالضربات الجوية أو عبر أذرعها في محور المقاومة — مما ينسف الخطاب الجامي من أساسه:

  • فإن كانت إيران "عميلة لإسرائيل" كما كان يُروّج، فكيف نفسّر استهدافها المباشر لتل أبيب؟
  • وإن كانت حماس تُدان بسبب قربها من إيران، فكيف تُهاجم إيران ذاتها إسرائيل الآن؟

هنا يقع التيار الجامي في مأزق مزدوج:

  • فإن اعترف بعداء إيران لإسرائيل، فهو يُبطِل أساس خطابه السابق.
  • وإن أصر على وصفها بالتحالف مع إسرائيل، فهو يناقض الوقائع أمام أعين الجميع.

3. أصل الداء: المنهج الجامي نفسه.. فقه الطاعة المطلقة

ما يكشفه هذا التناقض أن المشكلة ليست في الأحداث بحد ذاتها، بل في المنهج الذي يتعامل مع السياسة بوصفها طاعة لا تُسائل. الجامية لا تقيّم المواقف بناءً على المبدأ أو المصلحة العامة للأمة، بل تُعيد إنتاج مواقف السلطة وتصبغها بالشرعية الدينية. لذلك يتحول العدو إلى صديق، والمجاهد إلى خارجي، والاحتلال إلى "واقع لا يجوز تغييره" إذا ما قررت السلطة ذلك.

القضية ليست فقط في المواقف السياسية، بل في المنهج ذاته:

  • الجامية لا تنتج موقفًا بناءً على الحق والواقع، بل تبني مواقفها بناءً على موقف السلطة الحاكمة.
  • وعليه، فهي قد تهاجم اليوم ما كانت تبرره بالأمس، وتبرر اليوم ما كانت تهاجمه بالأمس، ما دام الحاكم قد غيّر موقفه.

هذا هو جوهر "فقه الطاعة المطلقة" الذي يؤمن به التيار المدخلي، وهو فقه يُعطل العقل ويجعل من أي تحليل سياسي حر خيانة، ومن أي مقاومة للاحتلال فتنة.


4. الحرج أمام الوقائع: حين يصمت الصوت الوظيفي

مع تصاعد الاشتباك بين إيران وإسرائيل، غابت البيانات، وخفتت الأصوات، وكأن الحدث لا يعنيهم. فلا نقد للمحتل، ولا تحية للشعب المقاوم، ولا موقف من التصعيد القائم. وهذا ليس غريبًا على خطابٍ لا يتحرك إلا في ظل ضوء أخضر من جهة ما، أو في حدود ما يراه "ولاة الأمر" مناسبًا.


الخاتمة:

لقد جاءت المواجهة المباشرة بين إيران وإسرائيل بمثابة مرآة كاشفة، فضحت الخطاب الجامي الذي لم يكن يومًا صوتًا للحقيقة أو ضميرًا للأمة، بل مجرد منبر مأجور يلبس الدين عباءة الولاء المطلق. وما لم يُراجع هذا التيار نفسه، فسيبقى شاهد زور على تحولات كبرى، تُعيد تشكيل المنطقة بمنطق المقاومة، لا بمنطق الفتاوى السياسية.

+
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.