
هنا تتحوّل الحاجة الاقتصادية إلى سلاح ناعم شديد الفتك، لا يُطلق رصاصًا، ولا يترك جراحًا، بل يفتك بالوعي، ويشل الإرادة، ويغتال الإنسان من داخله.
إنها أخطر معادلة في العالم الحديث: أن يُربط الخبز بالصمت، ويُفصَل الرزق عن المعنى، ويُختزل الإنسان في معدته.
من فقر الاحتياج إلى فقر الاختيار
في الزمن القديم، كان الفقر اختبارًا روحيًا أو عارضًا اجتماعيًا. أما اليوم، فقد أصبح الفقر نظامًا سياسيًا وثقافيًا مُهندَسًا.
فهو لا يُترك ليكون عرضًا، بل يُعاد إنتاجه عبر منظومات تُجبر الإنسان أن يبقى في موقعه، حتى لا يسأل، ولا يتحرك، ولا يغيّر شيئًا.
الفقر اليوم لا يعني فقط قلة المال، بل قلة الخيارات، وقلة الزمن، وقلة القدرة على الانفكاك من دورة الاستهلاك.
اقتصاد الخوف: كيف يُرهب الإنسان من الخروج على النمط؟
إنسان اليوم يعيش على حافة الخوف:
خوف من انقطاع الراتب،
خوف من ضياع الوظيفة،
خوف من الغد،
خوف من أن يقول ما لا يجب،
خوف من أن يُصنّف،
خوف من أن يُقصى.
في هذا الاقتصاد النفسي، لا يمكن للوعي أن ينمو، لأن الوعي يحتاج إلى مساحة آمنة، وجرأة، وثقة بأنك لن تُعاقب على ما تفكّر به.
لكن المنظومة الحديثة تُربّي الإنسان على الطاعة مقابل الأمان، لا على التفكير مقابل المعنى.
حين يُختزل الإنسان في "الناجي"
في العالم الحديث، الإنسان الذي يعيش بـ"الحد الأدنى" يُعتبر ناجحًا، طالما يدفع الفواتير، ويعود إلى البيت دون مشاكل.
لكن الحقيقة أن هذا النموذج لا يُنتج بشرًا أحياء، بل آلات تنفّذ المهام دون وعي، وتُسلّم زمام فكرها لمن يدير السوق والسياسة والإعلام.
النجاة البيولوجية شيء، والحياة الواعية شيء آخر.
والأمم التي تُدرّب أبناءها على النجاة فقط، لا تُنجب أحرارًا، بل موظفين مطيعين في مصنع كبير.
متى يصبح الرزق سلاحًا؟ حين يُستخدم لإغلاق الفم
من أخطر ما تفعله الأنظمة المعاصرة – رسميًا وثقافيًا – هو استخدام الحاجة للرزق كسوط ناعم:
- الكاتب لا يكتب ما يعتقد، بل ما يُرضي المموّل.
- الموظف لا ينتقد، لأنه مهدد بالاستغناء.
- العالم لا يجتهد، لأنه مرهون بمنصبه.
- الإعلامي لا يفتح ملفًا، لأنه يخشى السحب.
- الأب لا يفكر في مشروع جديد، لأنه مهدد بالانهيار المالي.
كل هؤلاء ليسوا فاسدين، بل مخنوقين.
وقد تمّ خنقهم بإحكام عبر شبكة هائلة من التهديدات غير المعلنة:
"فكّر كما تريد، لكن لا تقل شيئًا يخسرك الخبز".
الرزق الذي يقتل الموهبة
كم من مبدع، وشاعر، ومفكر، ومصلح، دُفن في المكاتب والمصانع والمهن الجافة؟
كم من إنسان يملك طاقة لتغيير مجتمعه، لكنه عاجز عن التفرغ ساعة، لأنه مطالب بإعالة بيته في نظام لا يرحم؟
الموهبة لا تموت لضعفها، بل لأن أحدًا لم يسمح لها أن تتنفس.
والمجتمع الذي لا يدعم أبناءه حين يبدعون، لن يجد فيهم يومًا من يقود.
بين الرزق والرسالة: المعادلة المفقودة
الإنسان لا يحتاج إلى أن يختار بين الجوع والوعي. هذه معادلة زائفة.
لكن لكي يتجاوزها، لا بد من مشروع اجتماعي وفكري واقتصادي يُعيد ترتيب الأولويات، ويحرر الإنسان من منطق السوق.
مجتمع لا يصنع بيئة تُمكّن من التفرغ للفكر والإبداع، هو مجتمع يُنتج أدوات، لا رجالًا.
ولا يحرّك التاريخ من يُطعم فقط، بل من يجرؤ على أن يُفكر وهو جائع... ويُفكّر حتى يشبع الجميع.
خاتمة
الرزق نعمة، لكن حين يُستخدم كسلاح لإسكات الصوت الحر، يصبح لعنة.
والأمم لا تُبنى بمنطق "كُلْ واسكت"، بل بمنطق "كُلْ وفكّر، وقل، واصنع".
وما لم نكسر هذه المعادلة القاتلة، ونُعيد للإنسان هامشًا من الأمان الفكري، فلن نُنتج إلا جيلًا يحترف الصمت... ويورّثه.
سلسلة: الإنسان المستنزف