
تارةً بجنازة، وتارة بجدار، وتارةً بصورة شهيد على الحائط، أو كرسي فارغ في العيد.
وبينما تدّعي أنها "تردع الإرهاب"، فإنها في الحقيقة تؤسس لثأر وطني طويل النفس، لا يُنسى، ولا يُسامَح، ولا يُشترى.
إنه ثأر لا يخص فردًا، بل يخص ذاكرةً كاملة.
وحين تظن إسرائيل أنها تُنهي الخطر بالقصف، فهي في الحقيقة تفتح ثأرًا في كل بيت فلسطيني جديد.
إسرائيل لا تحارب جيوشًا.. بل تُدمّر البيوت
في الحروب التقليدية، يكون الصراع بين معسكرين، وتدور المعارك في ساحات معروفة.
أما في فلسطين، فالمعركة تبدأ من عَتبة كل بيت.
إسرائيل لا تكتفي بقتال من يحمل السلاح، بل تضرب البنية المجتمعية كلها:
- تُهدم البيوت فوق رؤوس أصحابها.
- تُغتال القادة داخل بيوتهم وأمام أبنائهم.
- تُحرِم العائلات من الأمن، ومن الحق في الحداد، ومن الحياة الكريمة.
وبذلك، فإنها لا تواجه المقاومة المسلحة فقط، بل تُحوّل كل طفل فقد أمه، أو جدته، أو مدرسته، إلى مشروع مقاوم مؤجَّل.
ليس "ثأرًا قبليًا".. بل ذاكرة مقاومة
الثأر هنا ليس كما في الروايات العشائرية.
إنه وعيٌ نضالي يتشكّل في ذاكرة الجيل.
- الطفل الذي رأى أخاه يُسحَل.
- الأب الذي ودّع ابنه عند حاجزٍ ولم يعد.
- الأم التي تتفقّد الغرفة الفارغة كل صباح.
هؤلاء لا يحملون الكراهية العبثية، بل المعنى العميق لفقدان العدالة.
وهذا ما لا يفهمه المحتلّ: أنه كلما ظنّ أنه يردع، فإنه يؤسس لجيلٍ يحمل الرواية والثأر معًا.
البيت الفلسطيني ليس جدرانًا.. بل خزان ذاكرة
حين تُقصف البيوت، لا تُدمر الحجارة فقط، بل تُبعثر الألبومات، والشهادات، والألعاب، وآثار الغائبين.
وهذه البقايا تصبح بعد الغارات أيقونات مقاومة.
ليس من باب العاطفة، بل لأن الفلسطيني حين يُحرَم من بيته، لا يُطالب فقط بحقّه في العودة إليه، بل بحقّه في ألا يُنسى.
الاحتلال الذي يزرع الثأر... يحصد العزلة
حين تفتح إسرائيل ثأرًا في كل بيت، فهي تفقد أي أمل في السلام أو الاستقرار.
تخلق جيلًا لا يثق بها، ولا يؤمن بخطابها، ولا يقبل بأنصاف الحلول.
وحين يعمّ الثأر الوجداني الجمعي، تسقط كل محاولات الترويض السياسي.
لهذا، فإن إسرائيل لا تُهزم فقط في الميدان، بل تُهزم في ذاكرة كل بيتٍ فتحته بالقصف، والدم، والإهانة.
في الخلاصة:
قد تنتصر إسرائيل عسكريًا في معركة،
لكنها تخسر كل يوم في قلب أمّ فلسطينية فقدت فلذة كبدها،
وفي نظر طفل لم يعد يجد مدرسته،
وفي وجه شابّ لا يستطيع دفن أبيه بحرية.
هذه الهزيمة لا تُقاس بعدد الصواريخ، بل بعدد البيوت التي صار فيها الثأر دينًا مؤجّلًا.