
لم تعد الولايات المتحدة القوة العالمية المطلقة التي يمكنها فرض إرادتها على كل مفاصل النظام الدولي بلا منازع. ما نشهده اليوم ليس انهيارًا فوريًا للدولة، بل تحولًا تدريجيًا في طبيعة نفوذها الدولي. الهيمنة الأمريكية، التي امتدت عقودًا بعد الحرب العالمية الثانية، بدأت تتقلص بسبب تراكم الأزمات الداخلية والخارجية، وظهور قوى دولية وإقليمية لا تقبل الهيمنة الأحادية.
الفهم الدقيق لهذه المرحلة لا يتطلب الانفعال أو الشماتة، بل رصدًا موضوعيًا للحقائق على الأرض: الاقتصاد، السياسة، القوة العسكرية، والتحولات في النظام الدولي.
الذروة الأمريكية وبذور التراجع
بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، دخلت الولايات المتحدة مرحلة هيمنة شبه مطلقة. التفوق العسكري كان بلا منازع، والدولار أصبح المرجعية الاقتصادية العالمية، والقدرة على التأثير السياسي والثقافي كانت شبه كلية. خلال هذه الفترة، ظهرت تصورات مثل "نهاية التاريخ" التي كرست فكرة تفوق الديمقراطية الليبرالية كنموذج عالمي.
لكن هذه الذروة كانت تحمل بذور التراجع:
- الإفراط في التدخل العسكري: فبدل التركيز على إدارة النفوذ الاقتصادي والدبلوماسي، تحولت القوة العسكرية إلى أداة للتدخل المباشر في شؤون دول بعيدة، من العراق إلى ليبيا.
- فرض أجندة سياسية خارجية غير واقعية: محاولات تصدير الديمقراطية كنموذج نهائي لم تأخذ في الحسبان الواقع السياسي والثقافي للمجتمعات المستهدفة.
- استنزاف الموارد الداخلية: حروب طويلة، كلفة مالية ضخمة، وتزايد العجز في الميزانية الأمريكية.
هنا يظهر التحول: القوة المطلقة تتحول إلى عبء استنزافي، وتبدأ مؤشرات الفقدان التدريجي للهيمنة في الظهور.
الحروب المفتوحة وأثرها على القوة العسكرية والسياسية
أفغانستان (2001–2021) والعراق (2003–2011) مثالان واضحان على حدود القوة الأمريكية. على الرغم من التفوق العسكري التكنولوجي، إلا أن النتائج كانت محدودة على المستوى السياسي:
- أفغانستان: استنزاف لمدة عشرين عامًا لم يحقق استقرارًا دائمًا، وانسحاب 2021 كشف حدود السيطرة الأمريكية.
- العراق: رغم الإطاحة بنظام صدام حسين، عادت البلاد إلى دائرة الصراعات الطائفية والفوضى الأمنية، وهو مؤشر على عجز القوة العسكرية عن تحويل الانتصار إلى استقرار سياسي مستدام.
توضح هذه الأمثلة أن التفوق العسكري لم يعد ضمانًا للنفوذ السياسي، بل أصبح في بعض الحالات عبئًا على الدولة ومصدراً لتراجع المصداقية الدولية.
الاقتصاد الأمريكي: من مصدر قوة إلى محدودية التأثير
لطالما كان الاقتصاد الأمريكي الركيزة الأساسية للهيمنة العالمية. الدولار عملة احتياطية دولية، والأسواق المالية الأمريكية محورية في النظام الاقتصادي العالمي. لكن منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008، ظهرت هشاشة هيكلية:
- اقتصاد يعتمد على الدين والتمويل المالي أكثر من الإنتاج الصناعي الحقيقي.
- تركز الثروة في قطاع مالي ضخم على حساب الصناعات الأساسية، ما يقلل القدرة على دعم الاقتصاد العالمي بالنمو الحقيقي.
- استخدام الدولار كأداة ضغط سياسي (عقوبات) بدل أداة استقرار أدى إلى بحث الدول الكبرى عن بدائل لتقليل الاعتماد على العملة الأمريكية.
الصين وروسيا على سبيل المثال استثمرتا في إنشاء أنظمة مالية بديلة جزئيًا مثل مبادلات النفط بالعملات المحلية، والصين تقوم بتوسيع شبكة "حزام واحد، طريق واحد" لتقليل الاعتماد على النظام المالي الأمريكي.
صعود القوى المنافسة وتعدد مراكز النفوذ
التحولات الدولية أظهرت صعود قوى لا تقبل الوصاية الأمريكية:
- الصين: تعمل على بناء فضاء اقتصادي وسياسي مستقل، مع استثمارات ضخمة في آسيا وأفريقيا وأوروبا. التوسع التكنولوجي الصيني يقلل من قدرة واشنطن على التحكم في التوجهات العالمية.
- روسيا: تسعى لكسر الاحتكار العسكري الغربي، كما ظهر في سوريا وأوكرانيا، وتعمل على توسيع حلفائها الإقليميين للتقليل من النفوذ الأمريكي المباشر.
الولايات المتحدة لم تعد قادرة على فرض إرادتها بالكامل دون تكلفة كبيرة، سواء عسكريًا أو اقتصاديًا، وهو مؤشر على تحول في توازن القوى العالمي.
الأزمات الداخلية وتأثيرها على النفوذ الخارجي
الولايات المتحدة تواجه أزمات داخلية مركبة:
- استقطاب سياسي حاد: الانتخابات المتقلبة واستقطاب المجتمع يضعف القدرة على اتخاذ قرارات استراتيجية مستدامة.
- تفاوت اقتصادي واجتماعي متزايد: فجوة الدخل المتصاعدة وتراجع الطبقة الوسطى تؤثر على الاستقرار الداخلي.
- تآكل الثقة بالمؤسسات: انخفاض ثقة المواطنين بالكونغرس والقضاء والإعلام الرسمي يضعف قدرة الدولة على قيادة العالم خارج حدودها.
دولة منشغلة بأزمات داخلية لا تستطيع فرض السيطرة الكاملة في الخارج، وهذا يفسر جزءًا من تقلص النفوذ الأمريكي.
إدارة الفوضى بدل السيطرة المطلقة
التحول الأبرز في القرن الحالي هو أن الولايات المتحدة لم تعد صانعة للنظام العالمي، بل أصبحت مديرة لأزماته:
- التركيز على احتواء الصراعات بدل حلها
- العمل على الحفاظ على التفوق النسبي بدل الهيمنة الكاملة
- التعامل مع تحالفات متعددة ومتشابكة بدل التكتلات الأحادية
أمثلة عملية على ذلك:
- أوكرانيا: دعم عسكري محدود مع تجنب المواجهة المباشرة مع روسيا، محاولة الحفاظ على توازن القوى بدل فرض حل نهائي.
- الشرق الأوسط: إدارة الصراعات في سوريا واليمن عبر ضغط جزئي وتحالفات متنوعة بدل السيطرة الشاملة.
الولايات المتحدة اليوم توازن بين النفوذ المتاح والمخاطر المحتملة، وهو تغير نوعي في طبيعة الهيمنة.
خاتمة: بداية التراجع ليس انهيارًا
ما نراه اليوم هو نهاية نموذج الهيمنة الأحادية، لا نهاية الدولة الأمريكية. الولايات المتحدة تبقى لاعبًا رئيسيًا، لكنها لم تعد المرجع النهائي لكل الأزمات والقرارات الدولية.
الواقع الحالي هو عصر متعدد الأقطاب، حيث لكل قوة دولية أو إقليمية دور محدد، ولم تعد واشنطن قادرة على فرض سياستها المطلقة.
يمكن القول إن بداية تآكل الهيمنة الأمريكية تعني:
الانتقال من السيطرة المطلقة إلى إدارة الفوضى، والحفاظ على التفوق النسبي بدل الهيمنة الشاملة.