
الراستافارية ليست ديانة نبتت من غيب، بل من التاريخ نفسه، من آلام العبودية ومرارة الاستعمار، من ذاكرة نُهبت فيها القارة، وهُجّر فيها الجسد والاسم واللغة.
هي ديانة صيغت بوعي، لا لتجيب عن أسئلة الوجود، بل لتعيد كتابة الوجود بلون أسود. دين ليس للخلاص الأخروي، بل للخروج من عبودية بيضاء قهرية.
وحين أُعلن أن هيلا سيلاسي، إمبراطور إثيوبيا، هو الإله المتجسد، لم تكن تلك وثبة إيمانية… بل إعلان تمرد سياسي صريح ضد نظام العالم.
جذور سياسية: المسيحية السوداء كأداة مقاومة
في ثلاثينيات القرن العشرين، داخل أحياء جامايكا الفقيرة، بدأ شكل جديد من "الإيمان".
الإنسان الأسود، الذي سُحقت روحه خلال قرون من العبودية، وجد في أخبار تتويج هيلا سيلاسي في إثيوبيا رمزًا مغايرًا: ملك أسود، في بلد أفريقي لم يُستعمر، يحمل لقب "ملك الملوك".
في تلك اللحظة، تشكلت نواة ما سيُعرف لاحقًا بـ"الراستافارية".
لم يكن الأمر مسألة لاهوت، بل رد فعل سياسي هوياتي:
- إعادة صياغة المسيحية لتكون سوداء، لا بيضاء.
- إعادة تعريف "الرب" على هيئة إمبراطور أفريقي.
- إعادة تخييل الأرض المقدسة، لتكون إفريقيا لا القدس.
هيلا سيلاسي: الإمبراطور الذي أصبح إلهًا
بعيون الغرب، كان رجلًا سياسيًا.
لكن بعيون الرستفاريين، هو الإله المتجسّد، الذي بُعث ليحرر شعبه.
عُبِد وهو حي. رُفعت له الصلوات. واعتُبر ظهوره على الأرض إتمامًا لنبوءة توراتية عن "عودة الأسد".
لقد تحوّل السياسي إلى نبي، ثم إلى إله، ثم إلى رمز خلاص قومي.
ولم يكن ذلك انحرافًا عن الدين، بل تأسيسًا لدين جديد بالكامل، هدفه توحيد الجماعة السوداء حول مركز طاعة روحي قومي.
الطقوس والأيقونات: عقيدة بلا معجزات
الراستافارية لا تعتمد على كتاب مقدس واحد، بل تمزج التوراة بتأويلات أفريقية، وتستخدم رمزية الألوان (الأحمر، الأخضر، الذهبي)، وشعار "الأسد الزائد من سبط يهوذا".
يُطلق الأتباع لحاهم كرمز روحي.
يُمارسون طقوسًا جماعية تشمل الأغاني والتأمل.
ويُستخدم القنّب (الماريجوانا) كعنصر ديني يساعد على "الانفتاح الروحي".
لكن هذه المظاهر كلها تدور حول محور واحد: الهوية السوداء كعقيدة، وتحريرها كغاية، وهيلا سيلاسي كإله-رمز.
الأرض المقدسة ليست في السماء
في جميع الأديان، يوجد توق إلى عالم آخر.
لكن في الراستافارية، أرض الميعاد ليست غيبية، بل هي أرض إفريقية فعلية: إثيوبيا.
وتتمثل الجنة في العودة الجسدية إليها، والتحرر من المنفى.
هذا الدين لا يَعِد بالخلاص بعد الموت، بل بالخروج من الشتات أثناء الحياة.
ولهذا، كان مشروع "العودة إلى أفريقيا" جوهرًا سياسيًا دينيًا مشتركًا، يجمع الرستفاريين حول حلم العودة إلى الجذور.
ديانة سياسية بامتياز
لا يمكن فهم الراستافارية كعقيدة روحية خالصة.
إنها مشروع سياسي في لباس ديني، وُلد من رحم الظلم، لينتج هوية جديدة.
كانت ردًا على الكنيسة البيضاء، والإله الأبيض، والمسيح الأشقر، والسماء الأوروبية.
واستخدمت الإيمان لإنتاج خطاب مضاد للاستعمار، ومعكوس للعالم.
ولذلك، لم تكن طقوسها سوى آلية لزرع الانتماء، وتنظيم الطاعة، وتوجيه الوعي نحو مشروع تحرر قومي.
خاتمة: الدين كصرخة هوية
الراستافارية لا تسعى إلى إقناع أحد، بل إلى تحرير من فقدوا حقهم في أن يكون لهم وجه، ولون، وإله يشبههم.
هي المثال الأوضح على أن الدين قد يُصنع لا من نورٍ نازل، بل من وجعٍ صاعد.
وأن وظيفة الدين ليست دائمًا خلاص الإنسان، بل أحيانًا… خلاص الجماعة.
لقد صار الإله هنا صورة سوداء لإمبراطور سياسي، لا لأنه جاء بوحي، بل لأنه لبّى حاجة جماعية إلى إله جديد، بلون جديد، ومركز جديد للطاعة والانتماء.
سلسلة: دين الوظيفة السياسية