أخلاقيات بلا أخلاق: حين تتحوّل القيم إلى أدوات قمع لا بوصلة

في المجتمعات التي تُكثر الحديث عن الفضيلة، غالبًا ما نُصدم بأن هذه "الفضيلة" ذاتها تُستعمل كأداة قمع أكثر مما تُمارس كمنظومة أخلاقية نابعة من الوعي والرحمة. هكذا، تصبح الأخلاق واجهة مزخرفة لسلطة خفية، يُستعمل فيها الخطاب القيمي لتأبيد السيطرة، لا لتزكية السلوك. يُكافأ من يُجيد التمثيل، ويُقصى من يُجاهر بضعفه البشري، حتى لو كان أكثر صدقًا ونقاءً.

من القيم إلى القوالب: حين تُختزل الأخلاق في شكليات

ليست المشكلة في وجود القيم، بل في تحنيطها ضمن قوالب سلوكية جامدة، بحيث يُقاس الخُلق بالمظهر، ويُختصر الصدق في نبرة الصوت، وتُوزَّع صكوك الطهارة حسب الانتماء الطبقي أو السياسي أو حتى الجندري. لقد انتقلنا من "أن تكون خلوقًا" إلى "أن تبدو كذلك"، وبين الفعل والصورة، ضاعت الحقيقة.

إن هذا الانزياح الخطير حوّل الأخلاق من منظومة هادية إلى أداة تصنيف وإقصاء. فصار يُنظر إلى "الانحراف" لا بوصفه خللاً بحاجة إلى رحمة وفهم، بل كخيانة جماعية تستوجب النفي. وهكذا، لا تُرَبّى المجتمعات على الضمير، بل على الخوف من الفضيحة.

سلطة الأخلاق الزائفة: حين تتحدث "الفضيلة" بلسان القامع

في الخطابات الإعلامية والدينية وحتى التعليمية، تُستدعى القيم أحيانًا كأدوات سيطرة لا هداية. فمن يُطالب بالعدالة يُتّهم بـ"الفتنة"، ومن يناقش حرية المرأة يُلاحق باسم "العفّة"، ومن يرفض الانصياع يُدان باسم "الاحترام". تتحوّل الأخلاق إلى سلاح اتهام يُوجَّه حسب المزاج السياسي أو المزاج الاجتماعي، لا حسب معيار إنساني ثابت.

وباسم تلك "الفضائل"، تُمارَس أقسى أشكال العنف الرمزي والنفسي. تُلجَم الأسئلة، وتُجرَّم المشاعر، ويُحاصر الإنسان بين حاجته للقبول وخوفه من الإقصاء. ليس لأن القيم خاطئة، بل لأنها فُرغت من مضمونها الأصلي وأُعيد تعبئتها في خدمة الهلع الجماعي من أي اختلاف.

الفرد تحت طائلة "الفضيلة": انفصام المعيار وتكاثر الأقنعة

عندما تتسلّط القيم دون بوصلة داخلية، يصبح الإنسان مجبرًا على ارتداء قناع الفضيلة كي يُقبل، لا لأنّه يملكها، بل لأنّه يُجيد محاكاتها. هكذا، يولد جيل مزدوج: يعيش ظاهرًا وفق القيم، ويخالفها باطنًا خلسة أو تمردًا. وفي النهاية، لا نحصل على مجتمع فاضل، بل على مجتمع منافق، هشّ، مريض أخلاقيًا دون وعي.

نحو استعادة البوصلة: الأخلاق كتحرير لا كقيد

لا تُستعاد الأخلاق الحقيقية إلا حين يُعاد تعريفها على أساس الضمير لا الرقابة، الرحمة لا العقوبة، النية لا الشكليات. فالمجتمع لا يُقوّم بتوسيع دائرة الممنوعات، بل ببناء حسّ داخلي يجعل الفضيلة خيارًا نابعًا من الإدراك، لا من الرعب الجماعي من التعرية.

إن الأخلاق ليست ما يُقال في المايكروفونات، بل ما نفعله في غياب الرقابة. ولن تكون الأخلاق أخلاقًا حقيقية إلا إذا حرّرت الإنسان من الخوف، لا كبّلته باسم الطهارة.

+
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.