
الاغتراب لم يعد حالة فردية كما صوّره الفلاسفة الأوائل، بل أصبح ظاهرة جماعية، معولمة، يُعاد إنتاجها اجتماعيًا على نطاق واسع. الكل يشعر بشيء ما ناقص، لكن لا أحد يعرف اسمه. الكل يضحك في الصور، لكن لا أحد يشعر بالامتلاء. الكل يتحدث، لكن لا أحد يصغي.
نحن نعيش معًا... لكن في جزر معزولة
في المدن الكبرى، وفي القرى أيضًا، نعيش قربًا جسديًا وبُعدًا نفسيًا. نجاور بعضنا على الأرصفة، في المكاتب، وفي البيوت، لكننا لا نرى بعضنا حقًا. الوجوه مألوفة، لكن الأرواح غريبة. نُحادث دون تواصل، ونشارك دون تعاطف، ونتجمّع دون أن نلتقي.
لقد تغيّر معنى "الجماعة". لم تعد رابطة انتماء أو تآزر، بل صارت مجرد إطار شكلي لا يحمل دفء الانخراط الحقيقي. ولهذا، لم يعد الشعور بالغربة استثناءً، بل أصبح هو القاعدة.
حين تفقد اللغة معناها
الاغتراب الجماعي لا يظهر فقط في العلاقات، بل يتجلّى في اللغة ذاتها. الكلمات أصبحت طقوسًا جوفاء تُقال لأننا تعوّدنا قولها، لا لأننا نعنيها. نسأل: "كيف حالك؟" ولا ننتظر الجواب. نكتب "أنا بخير" في كل منشور، بينما نحن ننهار بصمت.
اللغة، التي كانت يومًا وسيلة اتصال بالآخر، أصبحت أداة تزيين للواجهة، ونوعًا من الاختباء خلف الجُمل الجاهزة التي لا تعبّر عن أحد.
الهوية السائلة: من نكون في زمن اللايقين؟
في هذا الاغتراب الجماعي، تفقد الهوية معناها المستقر. لم يعد أحد يعرف على أي أساس يُعرّف نفسه. هل أنا ما أؤمن به؟ أم ما أبدو عليه؟ أم ما يراه الآخرون؟ إنه زمن الهوية السائلة، حيث تتشكل الذات كل يوم حسب الإعجابات، والاتجاهات، والسياقات.
وفي غياب مرجعية داخلية، يصبح الانتماء هشًا، وتُصبح الغربة ليست عن المكان، بل عن الذات ذاتها.
لا أحد يلاحظ الغربة... لأن الجميع فيها
الخطير في الاغتراب الجماعي أنه لا يُرى كأزمة، بل يُؤطَّر كـ"طبيعة الحياة الحديثة". فحين يكون الجميع تائهين، لا أحد يشعر بأنه تائه. حين يفقد الكل البوصلة، تصبح الفوضى هي الوضع الطبيعي. وفي ظل هذا التواطؤ الجماعي على "التطبيع مع الغربة"، تصبح النجاة مقاومة صامتة لا يُعلنها أحد.
الخروج من الغربة يبدأ بالسؤال
لا يخرج المرء من غربةٍ لم يشعر بها، ولهذا فإن أول خطوة نحو التماهي الإنساني الحقيقي هي أن نكفّ عن ادّعاء التواصل، ونبدأ بسؤال حقيقي: من نحن؟ ولماذا نحيا بهذا الشكل؟
ليس المطلوب أن نعود للقرى، أو نغلق الشاشات، أو نهجر العالم. بل أن نستعيد علاقتنا الأصيلة بالذات والآخر والمعنى. أن نعيد للكلمات دفئها، وللعلاقات صدقها، وللأوقات قيمتها. أن نُبطئ في عالم يركض، وأن نصغي في زمن يصرخ.