
في هذا المقال، نكشف أبرز أساليب التضليل الإعلامي التي تُستخدم لتوجيه الرأي العام، وصناعة واقع بديل يبدو حقيقيًا، لكنه مُفبرك بمهارة.
1. الإطار لا الحدث: كيف تُدار الزاوية؟
الإعلام لا يقدّم الأحداث كما هي، بل يقدّمها من زاوية محددة. تُصبح الكاميرا أداة هندسة لا توثيق. من خلال اختيار عنوان معين، أو مقدمة تقرير، أو صورة مرافقة، يمكن لوسيلة الإعلام أن تزرع انطباعًا معيّنًا دون أن تكذب.
مثال: تغطية مظاهرة بأنها "أعمال شغب"، أو وصفها بـ"احتجاجات سلمية" يحمل شحنتين مختلفتين تمامًا.
2. الانتقائية في التغطية: الصمت المتواطئ
أخطر أنواع التضليل ليس ما يُقال، بل ما لا يُقال. فالإعلام يستطيع تغييب مجازر كاملة عن الرادار، أو تجاهل صوت الضحية، أو كتم الروايات المخالفة للسردية الرسمية.
حين تُغضّ القنوات الكبرى الطرف عن قصف المدنيين، وتُسلّط الضوء فقط على صور الردّ، فإنها تبني رواية منحازة، دون أن تنطق بكذبة واحدة.
3. تزييف التوازن: حين يتساوى القاتل والضحية
يُمارَس التضليل أحيانًا باسم "الموضوعية"، حين تُعرض الروايات المتناقضة كما لو كانت متساوية في الشرعية، دون كشف القوة غير المتكافئة أو السياق التاريخي.
تقديم الاحتلال والمقاومة كـ"طرفين متنازعين"، يسطّح المشهد، ويمحو جوهر القضية.
4. تكرار المصطلحات المشحونة: السيطرة على اللغة
المصطلحات ليست بريئة. فهي محمّلة بخلفيات أيديولوجية. من ينجح في فرض مفرداته، ينجح في توجيه الإدراك. مثل: "إرهاب"، "عملية عسكرية دقيقة"، "خسائر جانبية"، "دولة ديمقراطية تحقّ الدفاع عن النفس"، إلخ.
الإعلام لا يشرح الحقائق، بل يزرع قوالب إدراكية، فتتحول المجازر إلى "أحداث مؤسفة"، وتصبح المقاومة "تعكيرًا للاستقرار".
5. التركيز على التفاصيل لصرف النظر عن السياق
أسلوب شائع لتفريغ الحدث من رمزيته، هو التركيز على وقائع ثانوية أو تحليل فني تقني لصرف النظر عن الجريمة الكبرى.
بدلًا من السؤال: لماذا قُصف المخيم؟، يُفتح النقاش على: هل كان الصاروخ من نوع X أم Y؟، وكأن القضية مسابقة في التقنيات العسكرية.
6. التكرار والضخ: سحر "الحقيقة المصنّعة"
كلما تكرّر الخطاب، تحوّل إلى مسلمة ذهنية. تكرار رواية معينة في عشرات الوسائل الإعلامية، يجعلها تُقبل تلقائيًا كحقيقة، حتى لو كانت بلا دليل.
الإعلام المهيمن لا يُقنِع بالعقل، بل يغزو الوعي بالكم، ويغسل الإدراك بالتكرار.
7. شخصنة الصراعات: تقزيم القضايا الكبرى
يُحوِّل الإعلام النزاعات العميقة إلى مسرحيات شخصية بين زعماء، ويُغفل البُعد البنيوي والاستعماري للصراعات.
بدلًا من الحديث عن احتلال وهيمنة، يُركّز الإعلام على شخصية "الزعيم" وتصريحاته، لتُصبح الأزمة مجرد صراع بين شخصين، لا بين منظومتين.
8. التلاعب بالمشاعر: دموع انتقائية
يُستدرّ تعاطف الجمهور عبر صور الأطفال والضحايا حين يخدم الأمر السردية المطلوبة، بينما تُهمل الكوارث التي لا تخدم الأجندة.
الضحية "المناسبة" تُبكى وتُستعرض. أما الضحية "غير المرغوبة"، فتُحذف، أو تُقدّم كرقم هامشي.
9. تبييض الجلاد: الرواية الناعمة
يُعاد تقديم الجناة في صور إنسانية، عبر لقاءات، صور عائلية، أو إبراز "ندمهم" أو "معاناتهم النفسية"، لتذويب مسؤوليتهم، بينما تُجرَّد الضحية من إنسانيتها.
من يملك المنصة، يملك إعادة هندسة صورة القاتل، حتى يُرى كمُنقذ.
10. تصنيع الإجماع: وهم الصوت الواحد
من خلال تغييب الرأي المعارض، أو استضافة معارضين كرتونيين، يُصنع وهم أن "الجميع متفق"، ويُهمَّش كل صوت ناقد وكأنه شاذ أو متطرف.
التضليل لا يحتاج لإسكات المعارضين بالقوة، بل يكفي أن تُظهرهم كأقلية معزولة، أو تحوّلهم إلى مادة سخرية.
الخاتمة:
التضليل الإعلامي لم يعد مجرد تزوير للحقائق، بل إعادة تشكيل للعقول. إن أخطر ما تفعله وسائل الإعلام الكبرى اليوم، ليس الكذب، بل قول الحقيقة بطريقة تُعيد برمجتنا. فالمعركة اليوم لم تعد بين الحقيقة والباطل، بل بين سرديتين: إحداهما تهيمن على العقول بالصورة والمصطلح، والأخرى تحاول أن تُنقذ الوعي من قبضة الوهم.
سلسلة: أساليب التضليل الإعلامي