
النوايا كبرهان لا مبرر
لا يمكن لأحد أن يُنكر أهمية النوايا في التقييم الأخلاقي. النية هي جوهر الفعل، وفيها تبرز مسؤولية الإنسان تجاه قراراته. لكن الخطر يكمن حين تُستخدم النوايا كـ"غطاء" يُخفي الأفعال الضارة أو المدمرة. يصبح الحديث عن "نية حسنة" سلاحاً لتبرير الأفعال التي تُلحِق الضرر بالمجتمع، وتغذي عدم العدالة، وتُبقي على التفاوتات.
تتحول النوايا إلى حصانة ضد المحاسبة، ويُسمح للناس بالمرور من خلال أفعالهم السيئة طالما نُسبت إلى نوايا "مخلصة" أو "حسنة". وهذا الانزلاق يقود إلى استشراء الظلم تحت قناع الرحمة، ويُفقد الضمير قيمته كمرشد للحقيقة.
الضمير الانتقائي: كيف نختار متى نتحسّس الألم؟
في حالة الضمير الانتقائي، لا يُحكم على الناس بمقياس موحد، بل تُدار المعايير حسب الظروف، أو حسب الانتماء العرقي، الديني، السياسي، أو الاجتماعي. قد يُغفر لفئة ما فعل خطير لأنه يُعتقد أنهم "يقصدون الخير"، بينما يُعاقب آخرون على أفعال أبسط بسبب "نية سيئة" يُفترَض وجودها.
هذا الانتقائية تُضعف المصداقية الأخلاقية، وتفضي إلى ثقافة انتقامية، حيث يُعامَل البعض كضحايا دائمين، وآخرون كمرتكبين دائمين، دون تحقيق العدالة الحقيقية أو المساءلة الصادقة.
الخطر الاجتماعي: عواقب الضمير الانتقائي
الضياع الأخلاقي لا يتوقف على الأفراد، بل ينتشر ليصيب البنية الاجتماعية بأكملها. عندما لا يُحاسب الفاعل بسبب "نواياه"، يُولد بيئة خصبة للفساد، والمحسوبية، وانتهاك الحقوق. وتزداد المظلومية، ويعمّ الإحباط بين الفئات المهضومة حقوقها، لأن العدالة أصبحت لعبة نوايا وليست أفعال.
هذا الانفصال بين الفعل والنية يزرع اليأس، ويدفع بعض الناس إلى الإحجام عن المبادرة أو الالتزام، لأنهم يعلمون أن أفعالهم الصادقة قد لا تُقاس بعدل، أو أن نوايا الآخرين ستُستخدم لتبرير تجاوزاتهم.
الخلاص في استعادة المصداقية
لا يعني رفض الضمير الانتقائي إنكار أهمية النوايا، بل دعوتها إلى دورها الصحيح: مرافقة الفعل وليس إلغائه. يجب أن تُعامل الأفعال على حقيقتها، وأن تُؤخذ النوايا بعين الاعتبار كجزء من السياق، لا كبراءة تلقائية.
إن استعادة التوازن بين الفعل والنية تعني ترسيخ مبدأ المحاسبة العادلة، وتعزيز ثقافة شفافة لا تخفي الأخطاء خلف الأقنعة.
وفي النهاية، الضمير الحقيقي هو الذي يتجاوز النوايا لتطالب بالأفعال الصادقة والمسؤولة، وتقاوم انتقاء المعايير لصالح فئات على حساب أخرى.