أساليب التضليل الإعلامي: حين يُعاد تشكيل الضمير... وابتلاع الجريمة بالصمت أو الضحك

في هذا الجزء السابع، نغوص أعمق في الطبقات الرمزية للتضليل الإعلامي، حيث لا يتم فقط تحريف الخبر أو إخفاء الحقيقة، بل إعادة تشكيل الوجدان نفسه. لم يعد التضليل يكتفي بتغيير الرواية، بل صار يُحدّد من يُبكى عليه ومن يُنسى، متى تبدأ الحكاية ومتى تنتهي، ومن هو "المظلوم المستحق"، ومن يُمحى اسمه من الخريطة.

نحن هنا أمام إعلام لا ينقل الواقع، بل يُخرجه كعمل مسرحي، يُضحكك على الجريمة، ويقنعك أن لا أحد بريء، وأن المفاهيم الأخلاقية مجرد أدوات متقلبة. وفي زمن تُدرَّب فيه الخوارزميات على الانحياز، تصبح المعركة على الحقيقة معركةً ضد النسيان، وضد التزييف الناعم الذي يقتل دون أن يترك أثرًا في الضمير.

61. التحكم في "زاوية الترحّم": من يُبكى ومن يُنسى؟

حتى حين تقع الكوارث، الإعلام لا يترحّم على الجميع، بل يختار من يُظهره كضحية "تستحق الدموع"، ومن يُغفل تمامًا. الترحم ليس عاطفة حيادية، بل رسالة سياسية.

البكاء الانتقائي هو جزء من بناء الرواية، لا استجابة إنسانية بريئة.

62. تصنيع الشرعية ما بعد الفعل: التبرير الرجعي

بعد ارتكاب الفعل (قصف، انقلاب، غزو...) تبدأ حملة إعلامية لبناء شرعية "لاحقة"، تُظهر أن ما حدث كان ضروريًا، حتميًا، أو "أقل الضررين".

الشرعية لا تسبق الفعل بل تُخترع لاحقًا، عبر التضليل المركز.

63. الإشغال الدائم بالـ "ما بعد": طمس السؤال الأخلاقي

بدل مناقشة الجريمة، يُقفز مباشرة إلى "كيفية إعادة الإعمار"، أو "من سيتولّى السلطة الآن"، ما يدفن السؤال الجوهري: لماذا حدث ما حدث؟ ومن المسؤول؟

تجاوز الجريمة بسرعة، هو جزء من طمس آثارها الرمزية والحقوقية.

64. خلق الانطباع بالانقسام الداخلي في قضايا عادلة

يُروَّج عبر الإعلام أن أبناء القضية الواحدة منقسمون، ومتنازعون، وعديمو الاتفاق، بهدف تقويض مصداقيتهم، وشرذمة التعاطف معهم.

الانقسام ليس خبرًا، بل استراتيجية إضعاف.

65. المحو الرمزي للأسماء والخرائط والحقائق التاريخية

يُزال اسم "فلسطين" من الخرائط، وتُحذف الأسماء الأصلية من المناطق، أو تُغيَّر لتُفرَّغ من دلالتها الثقافية والتاريخية.

تغيير الاسم هو الخطوة الأولى لمحو الذاكرة الجماعية.

66. استخدام الفكاهة للتقليل من خطورة الجرائم

تُقدَّم بعض المآسي عبر النكات، أو في فقرات ساخرة، ليضحك الجمهور بدل أن يغضب، فتُفرّغ الجريمة من رمزيتها.

الضحك وسيلة فعالة للقتل الرمزي، حين يُستخدم لتطبيع العنف.

67. المقارنات المُضلِّلة: تطبيع الجريمة عبر التوازي

يُقال: "الجميع يخطئ"، "كل الدول تفعل ذلك"، "ليس هناك أطهار"، لتبرير جريمة ما عبر جرائم سابقة، وكأن العدالة لا معنى لها.

هكذا يُصبح القاتل مجرد واحد من مجموعة، بدل أن يُدان.

68. التحكم في النطاق الزمني للرواية: القص الموجّه للتاريخ

يبدأ الإعلام قصته من اللحظة التي يريد، ليصوّر الطرف المقاوم كـ"باديء"، أو ليوحي بأن رد الفعل هو أصل المشكلة.

تحديد نقطة البداية هو تحديد لمَن يبدو معتديًا ومَن يبدو مدافعًا.

69. إعادة تعريف المفاهيم الأخلاقية والسياسية

يُعاد تعريف "السلام" كخضوع، و"الديمقراطية" كحرب وقائية، و"حقوق الإنسان" كأداة لانتقائية العقوبات، لتُفرّغ المفاهيم من معناها وتُستخدم لأغراض مضادة.

حين تُختطف اللغة، يُختطف معها الوعي.

70. التحكم في مخرجات الذكاء الاصطناعي: هندسة الإدراك الرقمي

المحتوى الذي يُنتجه الذكاء الاصطناعي يُدرَّب على مصادر محددة ومهيمنة، ما يعني أن حتى أدوات الذكاء الجديدة تُعيد إنتاج نفس الانحيازات القديمة.

الحياد التكنولوجي كذبة، إذا بُني على بيانات منحازة.

الخاتمة:

ما من نهاية لأساليب التضليل، لأن مراكز النفوذ العالمية لا تُجدد فقط تقنيات الإعلام، بل تجدد معها الطرق التي تُدار بها الحقيقة. كلما ارتفعت أدوات النقد والتحليل، ارتفع معها مستوى التمويه والخداع. ولهذا، فإن أكبر تضليل هو أن نعتقد أننا وصلنا إلى آخره.

سلسلة: أساليب التضليل الإعلامي

+
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.